انتصار السعادة – برتراند راسل

تميز الفيلسوف البريطاني “برتراند راسل”، خلال القرن الماضي بعدة أعمال فلسفية له، وقد امتدت كتبه في مجالاتٍ مختلفة من فلسفة العقل إلى السياسة مرورًا بالعلوم وشؤون المجتمع.
بين يديّ كتابُهُ المدهش في مجال تحليله للسعادة الإنسانية، وقد تناولها بصفتها مجالًا اجتماعيًا وتجربًة معاشةً للمرء، باحثًا في ظاهرتها ومناقشًا تعاريفها وتصورات الآخرين عنها، ومن المثير للذكر أنَّ كتابه هذا ليس من النوع الذي يتحدث فيه كأضراب المتحدثين عن تطوير الذات، إذ أنّهُ يمزجُ بين الجانب المعرفي والفلسفي، ويعيد النظر بزوايا مهمة يستقي القارئ منها الكثير من الانتباه وتجديد النظر.
يقع كتابه ”انتصار السعادة“ على 240 صفحة بنسخته المترجمة للعربية، وهو مؤَّلفٌ تُرجم إلى لغاتٍ شتى، والكتاب ينقسم إلى جزئين: مسببات التعاسة، ومسببات السعادة.. تناول بهما ”برتراند راسل“ السعادة ومواضيعها من محاور متنوعة وناقش نقاطًا كثيرة، تميز بها بالتحليل العميق والمثير.
والكتاب أيضًا لم يتجه به الفيلسوف البريطاني نحو الدراسات الفلسفية بظاهرة السعادة والتعاسة من حيث كونهما وعيًا ذهنيًا كما يحدث بفلسفة العقل أو بفلسفة الانفعال اليوم، بل يتجه نحو ظاهرتيهما الاجتماعية، ممارسة العيش وتحديات المجتمع، وعن ذلك يقول في مقدمة الكتاب عنه:
هذا الكتاب ليس موجهًا للعلماء أو لأولئك الذين ينظرون للمشكلة العملية على أنَّها مجرد موضوع للحديث، ولا توجد في الصفحات القادمة فلسفة متبحرةً أو براعة عقلية عميقة، فهدفي ما هو إلا أن أضع بعض الملاحظات التي من الممكن إدراكها عبر ما يعرف بالحس المشترك. وكل ما أدعيه بالنسبة للوصفات المقدمة للقارئ هو أنَّها مؤيدةٌ بتجربتى ومشاهداتى الشخصية، أن سعادتي الذاتية قد ازدادت أينما كان سلوكى متوافقًا معها. وعلى هذا الأساس فإنني أجازف بالأمل في أن يجد البعض – من بين الكثيرين من الرجال والنساء الذين يعانون التعاسة – أنَّ حالاتهم قد شُخصت وأنَّ طريقةً للنجاة قد اقتُرحت. ولقد كتبت هذا الكتاب موقنًا بأن الكثيرين من التعساء بإمكانهم أن يصبحوا سعداء عن طريق مجهود جيد التوجيه.
يتجه الكتاب في أفكاره لمناقشة قضايا الإنسان بالمجتمع، ويبدأ فصله الأول بسؤال: ما الذي يجعل الناس تعساء؟ ثم مع مرور فصول كتابه ستجد أنك قد مررت على الحروب، التعليم، الاقتصاد، الصحة، القلق، الحسد، التنافس، الدين، الملل، النرجسية وسؤال: ألا تزال السعادة ممكنة؟ فالحب فالأسرة، التلذذ، العمل، الاهتمامات، وغيرها.
السعادة والثراء..
من بين النقاط التي لفتت انتباهي لتحليلات برتراند راسل، كان سؤال الثراء والسعادة، وقد قرأت سابقا لآدم سميث بكتابه ”نظرية المشاعر الأخلاقية“، عن استحالة شراء السعادة بالمال، لأنها أكبر من كونها تجنّب الألم والجوع فقط، وأما “برتراند راسل” فله رأي آخر،عن غياب السعادة عند الأثرياء، إذ يقول بكتابه انتصار السعادة:
عندما يتمكن الإنسان بواسطة الثروة الكبيرة من إشباع رغباته دونما مجهود، فإن مجرد غياب الجهد من حياته يزيل مكونًا رئيسيًا من مكونات السعادة منها
يقودنا “راسل” نحو الوعي بعلاقتنا مع العالم ومزامنة التحقيق بالشعور المجتهد، أعتقد أننا هنا مع لذة الوعي بالإرادة الممتحنة بالتحديات، إذ أن المواجهة والمشقة هما القادران على إشعارنا بحِدّة الإرادة لوقت أطول، وهذا هو التفسير المقبول والمناسب لتصور آدم سميث عن السعادة إذ يقول بكتابه ”نظرية المشاعر الأخلاقية“:
”فإذا كان الجزء الأكبر من سعادة الإنسان ينشأ من وعيه بأنه محبوب من الآخرين — وهو ما أومن به — فإن النجاح المفاجئ نادراً ما يساهم في تحقيق سعادة حقيقية. فأسعد الناس هو من يشق طريقه إلى النجاح تدريجياً…”
آدم سميث – نظرية المشاعر الأخلاقية
.
علينا إدراك أنّ جانًبا مهمًا في شق النجاح تدريجيًا مرتبطٌ بالوعي بإرادة المرء وفاعليتها بالوجود، فالشعور بها لن يكون بهذا الحضور العالي والمستمر والطويل إلا من خلال التحديات والعقبات، ولعلَّ هذا ما يدفع للشعور بسعادة أعمق في الإنجاز الذي جاء تدريجيًّا حسب ”آدم سميث“، أما تعريف ”راسل” عن غياب المشقة بأنه يُفضِي لغياب السعادة ينطبق تفسيري عليه أيضًا بهذا المعنى لكن لننظر للسعادة عند “نيتشه” فتعريفه قد يحمل ما يقابله من جهة الناتج التقييمي الأخير مقارنة بالماضي منك فيقول: “السعادة، الشعور الحقيقي بأن قوتك تزداد بشكلٍ مطرد”
إن “نيتشه” كان مهووسًا بالقوة غير أنَّ هذا المعنى سيصب بالنهاية بجنون العظمة والارتياب من وجود الآخرين، وهكذا يدفعنا هنا لشرح وجهة نظر “راسل” نفسه- بكتابه الجميل ”انتصار السعادة“ – عن الشخص المصاب بمحبة القوة وبأن يهابه الآخرون، حيث ضرب مثال الإسكندر الأكبر الذي زعم ألوهيته، متسائلًا هل كان سعيدًا كإنسان؟
يرى “راسل” أنَّ ميل الإسكندر المقدوني للخمور وادعاء الألوهية يشير إلى أنّهُ لم يكن سعيدًا والسبب حسب رأي الفيلسوف البريطاني بكتابه انتصار السعادة:
“لا يمكن أن يصل الإنسان إلى الرضا إذا ما اهتم بعنصر واحد من عناصر الطبيعة البشرية على حساب كل العناصر الأخرى،
ولا في النظر إلى العالم كمادة لعظمة الذات“
النرجسية والفنان..
في خضم كتابات ”راسل“ عن التعساء الثلاثة الذين تحدث عنهم مثالًا للاستغراق بالذات: المذنب المتعلق بالندم دوًما، والنرجسي، والمصاب بجنون العظمة، وقد أفرد لكل منهم تحليلا يليق به، وجدتُ هذا التحليل بين النرجسية والفنّان وأثرها السلبي على الأسلوب، وقد قدَّمَ ”راسل“ رؤية عميقة حول نضج الأسلوب وتميُّزِهِ وبين التعاطف مع الأخرين والأخذِ بقضايا مختلفة بعيدًا عن الذات وهو الأمر الذي يعجز عنه النرجسي مما يدفع لفشله بالفن فيقول أنَّ النرجسي الذي تعجبه الحفاوة التي يتمتع بها الرسامون الكبار قد يدفعه ذاك ليدرس الفن لكن ولأن الرسم ما هو إلا وسيلته لغاية معينة، فإن أسلوبه لا يصبح متميزًا أبدًا، ولا يمكنه رؤية أي موضوع لم يكن له علاقة بذاته،
بذلك تكون النتيجة فشله وخيبة أمله، وينتقل “راسل” لمثال آخر عن الروائيّات النرجسيات اللاتي يجعلن من أنفسهن بطلات لرواياتهن.
يقدم “برتراند راسل” فيما سبق ملاحظة علينا تأملها جيدًا فالأسلوب بالأساس لا ينضج إلا بالتوسع والتنوع في المواضيع، والنرجسي لن ينتبه لمواضيع واهتمامات لا تخصه فمرض (الأنا) يعميه عن الاهتمام والانتباه، ولن يجد دافعية لتجسيد معاناة الآخرين وقضاياهم هذا بالطبع يؤثر على نضج الأسلوب الذي يقتضي الكثرة الإنتاجية والتوسع في الأدوات والقضايا..
والفنان يتعمق بتقنية الموهبة بالممارسة ولا شك أن المرء لو التزم فقط بما يخص شخصه دون أي تصور وتعاطف مع الآخرين سيقل إنتاجه وستذبل موهبته ولن يكون أسلوبه إلا محاكاة لفنان أشهر منه.
الملل بصفته ضرورة..
التعريف أو التفسير الدقيق للملل بصفته شعورًا، جاء برتراند راسل موضحًا له فهو مركّب له عدة مكوّنات صنعته، ومنها المقارنة بين الظروف القائمة وبين ظروف يرغب بها المرء، ومنها أيضًا ألّا تكون قدرات الفرد قد وُظِّفَت بالكامل، ثم ينطلق الفيلسوف البريطاني موضحًا الفارق بين عصرنا والعصور القديمة وكيف أننا نحيا بزمن أقل إحساسًا بالملل من أسلافنا، فإنسان القرى القديمة يحيا بإمكانيات أقل، وقد لاح في حديث ”راسل“ الربط بين الملل والشر، عبر البحث عن الإثارة فالحروب والمذابح وحملات الاضطهاد كانت حسب رأيه محاولات للفرار من الملل، حتى المشاحنات مع الجيران التي يراها أفضل من لا شيء، وعلى غير ما يراه “كيركغورد” عن الملل بصفته مصدرًا لكل الشرور يرى ”برتراند راسل“ الملل ليس شرًا مطلقًا، وهنا يقدم تحليلًا عميقًا عن علاقة الهشاشة النفسية بالملل،
فيتحدث أولا عن ضرورة تربية الطفل في بيئة محدودة المُتع وأن تكون هذه المتع مستخلصة عبر بعض المجهود والابتكار وأن يكون المسرح أو بقية المتع التي لا تشمل أي مجهود: نادرة الحدوث. (سيشمل قوله هذا بالطبع التلفزيون/الانترنت/ وألعاب البلاي ستيشن بهذا الزمن)
لكن ما السبب لقوله هذا؟
يرى “راسل” أنّ الطفل إذا تربى ببيئة اللهو والمُتع، سيصعب عليه حين يكبر تحمّل رتابة الحياة..
ويشرح رؤيته تلك بأنه لا يعني بذلك مديح الرتابة لكنه يعني أن الرتابة نفسها مهمةٌ لنمو أفكار وأشياء طيبة في حياته بل حتى الأهداف البنّاءة لن تتشكل في ذات طفلٍ يعيش حياةَ التشتت والانغماس في الملذات. وخلاصة قوله إن الإنسان يحتاج الملل بحدود، لتنمو في ذاته الأهداف البعيدة والبنّاءة، وإذا كان لا يتحمل الملل ويسعى دومًا للمُتع طيلة الوقت (كما نرى اليوم) سيصبح هشًا وتافهًا ..فالعُمق يحتاج هدوءًا، وعزلة مرنة، وإصغاءً لبطء العالم.
يصل بنا “برتراند راسل” إلى فقرةٍ مهمةٍ يتحدث فيها عن الملل ويا لها من فقرة:
“لكلّ هذه الأسباب، فالجيل الذي لا يمكنه تحمل الملل سيكون جيل الرجال الصغار، جيل الرجال المنفصلين بلا مبرر عن العمليات البطيئة للطبيعة، جيل الرجال الذين يذبل فيهم ببطء كل باعث حيوي كما لو كانوا زهورًا مقطوعةً في أصيص”
انتصار السعادة..
من الملفت للنظر عنوان الكتاب نفسه وهو بالأصل :The Conquest of happiness، الظفر بالسعادة أو الغزو أو الانتصار كل ذلك يشير إلى ما وضحه ”بيرتراند راسل“، بكتابه في فصل المجهود والاستعفاء، فحسب قوله السعادة ليست شيئً يسقط في الفم كالثمرة الناضجة فالعالم مليء بالتحديات والمصائب، وقد أبدع الفيلسوف في تقسيمه الكتاب على جزئين أحدهما يخص مسببات التعاسة والآخر للسعادة، لكنه كان شديد البراعة في سرد الآراء ونقاشها وضرب الأمثلة والربط بين الفصول، ففصل الملل والحديث عنه وعن أمثلته ومواقفه منه، ستجده يبدي رأيه عنه أيضًا في فصل العمل الذي عدّه أساسًا للسعادة، والكتاب شمل فصولًا أخرى كالحب الذي ربط بين فقدان التلذذ بالحياة وبين أن يشعر المرء بأنه غير محبوب، وكيف سزداد تلذذنا بالحياة حين نحب، وهذا المعنى سنجده حتى بالشعر والغناء، ومن ذلك في تراثنا الفني المعاصر أغنية أم كلثوم الشهيرة ”أمل حياتي“:
(كل الناس حلوين بعنيه حلوين..) وهذا المشترك العاطفي بين البشر نجد عنه الكثير في نصائح المفكرين والحكماء بيد أن بيرتراند راسل قدّم ملاحظة جميلة عن الحب إذ يقول:
الرجل الذي لم يستمتع مطلقًا بالأشياء الجميلة عندما يكون بصحبة امرأةٍ يحبّها، لا تكتمل معرفته بالقوة السحرية لهذه الأشياء
ختامًا
يحمل الكتاب تفاصيل أكثر في مضمار الحب والعلاقات، وتأثير ذلك على السعادة والكتاب بمجمله مكتظ بالنقاشات والأمثلة والتأملات التي تفتح للمرء العالم على مصراعيه من خلال النظر للسعادة، والجدير بالذكر أن بيرتراند راسل لا يرى علاقة بين السعادة والعقيدة إلا من خلال أن الشخص السعيد يختار عقيدة سعيدة والشخص التعيس سيتبنى عقيدة تعيسة لا العكس، ومع ذلك فإن مثل هذا القول لا أراه صحيا فالحالة التي ننظر بها للعالم ليست بمعزل تام عما نحمله من عقيدة وطريقة نظر للوجود، وإن كان الأمر متداخلا وتفاعليا، ويبرز أن المرء مثلا إذا نشطت نفسه ولزافع مزاجه مال للعقائد الأقل تحريما وتقييدا، لكن علينا وضع هذا بمجال تمعن أكبر فهو مبحث آخر،
غاب عن الكتاب بالطبع أدوار الجسد وأثرها في الانطباع والتصرف والسبب في ذلك أن الكتاب قبل عصر النهضة الطبية الكبرى في معرفة الدماغ معرفةً تضاهي اليوم.
عصام مطير





