قراءاتقراءات أدبية

عيناكِ غابتا نخيل،، السياب

لحظة الشعر لابد أن تكون هي رغبة المعرفة بأشد درجاتها مع استحالةٍ ممزوجة، إنها تعبيرٌ عن الحياة والوجود الذي يقف معها وضدها، وحينها تكون اللغة وسيلة يعاد النظر إليها وتوليدها بطريقة تناسب هذا المجهول الذي يتوغل فيه الشاعر بين انفعالاته الثائرة اتجاه المعنى الذي يرغب في تحقيق وجوده بالعالم، أن يعرف، أن يبقى!

في قصيدته ”أنشودة المطر“ يقول السياب:

عَيْنَاكِ غَابَتَا نَخِيلٍ سَاعَةَ السَّحَرْ ،
أو شُرْفَتَانِ رَاحَ يَنْأَى عَنْهُمَا القَمَرْ
.

أبرز الشاعر رغبة المعرفة ونزعته للبقاء في قوله “عيناكِ” بتفحّص المجهول فيما يراه والاتجاه به نحو الطبيعة بطريقة “تفسير الشيء بالأشياء” و”المشهد بالمشاهد الأخرى” لا تفسيره بالمكونات المادية كنا يفعل العلم.
إننا هنا أمام المعنى في ذهن الشاعر ومشهد الجمال الذي يعيشه وغرامه وذكرياته وخيالاته ليحقق نصّه عبر تفسير كل ذلك بمظاهر حياتية جمالية مشابهة ولأن الشعور يستعصي على اللغة خصوصًا إذا كان جماليًا ووجوديًّا كشعور الحب فلابد أن يتجه الشاعر للرسم بالمظاهر الأخرى التي نعيشها (غابتا نخيل ساعة السحَر) والاستمرار بالتلوين (أو شرفتان صار ينأى عنهما القمر) 
علمًا بأن (أو) تعني في خضم اللوحة الفنية تباين درجة اللون أو ملامسته للون آخر، 
فـ (أو) أي منحُ المشهد الذي يحقق الاحتمال الثاني للشعور الذي يحياه وجودًا يحقّقُ الشعرية بالتعدد وتنوع الخيارات بمشهد العينين، 
وهما أي (غابتا النخيل….أو شُرفة راح ينأى….) يعبّران عن حالة المضي في التعرف والمعرفة،
وكأن المعنى أيضًا لا يستطيع أن يمنح نفسه في صورة نهائية واحدة، وقد منح المحال (الوصول للحقيقة) مكانةً عبر (أو) وهكذا يخبرنا الشاعر عن جزئية بالنص تتفاقم في توظيفات أخرى لتصل إلى وجودٍ معقّد يشمل العراق والخليج، مشيرًا بذلك إلى نفسه هو في تجربة الجمال والوجود.

يكمل السيّاب:


عَيْنَاكِ حِينَ تَبْسُمَانِ تُورِقُ الكُرُومْ
وَتَرْقُصُ الأَضْوَاءُ …كَالأَقْمَارِ في نَهَرْ
يَرُجُّهُ المِجْدَافُ وَهْنَاً سَاعَةَ السَّحَرْ

إننا هنا أيضًا أمام تفسير المشهد بالمشاهد، والشيء بالأشياء، والتلاعب اللفظي بالشعر عبر الانزياحات كقوله (عيناك حين تبسمان) وهي استعارة مجازية يؤسس القبول الذاتي الذي نجده في تكويننا النفسي إذ أن نزعة التشخيص بالشعر هي نزعة الإحيائية السحرية بالعالم، كمخاطبة القمر وغيره، والاعتقاد بتاثير النجوم، وروحانيتها وإذا كان السحر قد اندثر مع التطورات العلمية فإن الشعر حافظ على وجوده عبر هذه البدائية البسيطة بالشعور، فعبر الحب يرى المحب محبوبه بطريقة مختلفة وتتشكل معانٍ أخرى،
ومن خلال الشعر يأتي التفكير الذي تكلمت عنه وهو كيف تصبح كل كلمة ذات ممتدة من الدهر السحيق، فعيناك حين تبسمان، ليس استعارة يريد بها الشعر توجيهنا نحو جمالهما ورضا صاحبتهما عنه، بل أنَّ العين هنا هي كل تلك العيون التي امتدت منذ الأبد في ذهن الشعر، وهي ذواتٌ تفعل وتأمر وتنهى، وأيضا فإنَّ هذا التركيز على جزئية العينين برغم أنه أسلوب شعري جندري معروف، للتعبير عن الانجذاب والانبهار، هو أمرٌ لم يختره الشاعر بل اختاره الشعر ذاته تبيانًا لحاجة المعرفة، فحاسةُ الإبصار هي بالطبع أشد الحواس جمعًا لبيانات العالم، إذن ليس جمال العينين ما شده فقط، بل أن الشعر في عمقه كان يعبّر عن حاجة المعرفة.

وقوله (تُورِقُ الكُرُومْ
وَتَرْقُصُ الأَضْوَاءُ …كَالأَقْمَارِ في نَهَرْ
يَرُجُّهُ المِجْدَافُ وَهْنَاً سَاعَةَ السَّحَرْ) 

هو تحقيق للأثر السري البدائي بتأثير العين على الحياة، لكن ليس الحسد في إرث الثقافات البشرية القديمة، بل الأثر الجمالي، وهذا ما ينبغي الانتباه له في شعر السياب، وبنصه هذا بالتحديد، حيث قلَب فكرة الناس عن العين بأثرها السلبي إلى الأثر الإبداعي الذي يحيي ويُنبت ويفعل المستحيلات، وبهذا المشهد المتزامن بين اخضرار العنب ورقص الأضواء الذي هو بدوره يشبه تراقص القمر والنجوم على سطح النهر المهتز بمجداف بالكاد يتحرك، يكون قد حقق السيّاب
”تفسير الشيء بالأشياء/ والمشهد بالمَشاهد“

 لكن مهلًا, إنَّ الشعر في مجاله العام ذاك ونحن في خضم النص ليس سوى مناقشة سرية بين أفكار العالم السحري المندثر، عبر لحظة المعرفة والانكشاف تلك، إنه تعبير عن الذي نجهل ونتطلع إليه. 

ويكمل السياب لحظة الشعر تلك بمحاولته سبر أغوار ما يريد معرفته في نفسه من تأمله لعيني محبوبته فيقول:


كَأَنَّمَا تَنْبُضُ في غَوْرَيْهِمَا ، النُّجُومْ …
وَتَغْرَقَانِ في ضَبَابٍ مِنْ أَسَىً شَفِيفْ
كَالبَحْرِ سَرَّحَ اليَدَيْنِ فَوْقَـهُ المَسَاء ،
دِفءُ الشِّتَاءِ فِيـهِ وَارْتِعَاشَةُ الخَرِيف ،
وَالمَوْتُ ، وَالميلادُ ، والظلامُ ، وَالضِّيَاء



سنلاحظ أن هذا التصوير المكتظ بكائنات وطقوس الطبيعة، يؤكد العالم الضخم الذي يصعب على المرء معرفة كنهه، ويكتفي به بتأمله، وملاحقة تنوعاته بذكرها، وبذلك قد بلغ السياب هنا لحظة العجز التي أراد وصفها، فبعد أن كانت تفسير الشيء بالأشياء، والمشهد بالمشاهد، أصبح في لحظة العالم أجمع، إنه الآن بوجود يفوق اللغة، والاستعارة، وإمكانيات الصورة، فقد وضع فيه كل التناقضات والأضداد، والثنائيات كاشفًا عن عجزه ببلوغ المعنى الأدق لهاتين العينين، اللتين ليسا سوى حديثه عن الروح.
وقوله ”كأنما“ أعادنا للإنسان في عصور البدايات، إنها المسافة بين التجربة والمعرفة، إذ يرقب هذه العوالم ” النجوم“ ”ضباب“،“البحر“،المساء“،الشتاء“،“الخريف“،“الموت“،“الميلاد“،“الظلام“،“الضياء“، إنها العوالم المرتبطة في وجود الإنسان وقد قفز العلم اليوم الظواهر واتجه للجزئيات، وفر من منحها أولوية في وجوده بفعل الكهرباء والتقنيات والحياة المدنية، ولو قليلا، وبقى الشعر صامدًا في علاقته معها، والسياب بهذا ليس خارجًا على هذا الإطار الشعري، بل مؤكد له، وقوله ”كأنما“ تكشف عن الشعر في كونه محاولة للمعرفة، من خلال الذاكرة والعلاقات الوجودية مع الكون.
اختار السيّاب البحر ليضع فيه كل إمكانيات الغموض الذي واجهه بوصف تلك الروح المشعة من العينين، لأن البحر للإنسان الواقف على شاطئه هو العالم الذي مازال محتفظًا بسحريته.

وبقوله:


فَتَسْتَفِيق مِلء رُوحِي ، رَعْشَةُ البُكَاء
كنشوةِ الطفلِ إذا خَافَ مِنَ القَمَر !
كَأَنَّ أَقْوَاسَ السَّحَابِ تَشْرَبُ الغُيُومْ
وَقَطْرَةً فَقَطْرَةً تَذُوبُ في المَطَر …
وَكَرْكَرَ الأَطْفَالُ في عَرَائِشِ الكُرُوم ،
وَدَغْدَغَتْ صَمْتَ العَصَافِيرِ عَلَى الشَّجَر
أُنْشُودَةُ المَطَر …
مَطَر …
مَطَر…
مَطَر…”



السياب بهذه الفقرة أعادنا إليه، للشاعر الذي يبصر في ذاته أثر العالم ورغبته المتأججة باكتشافه، إنها لحظة الولادة المتمثلة بالبكاء، انفعال الحياة الأول، وبهذا فهو يرمز حالة الحب، التي يحياها، بهذا التحول الذي يحدث بين انفعالاته الممزوجة، حزن وبكاء وخوف ولذة هطول، وتلاشي، وابتسام، وغناء، وقد حقق أيضًا هنا وصف حالته الانفعالية تلك عبر الأشياء والمشاهد التي صنعها.

إن حالة النظم، عند الشاعر أيًّا كان هي تجاوز لأفق التزامن مع المحيط وتأثيراته والتفاعل معه، وبلوغ حالة الذات التي تريد اكتشاف ما يخصها بالعالم تحديدًا في تلك اللحظة التي يصغي بها لنفسه، ويجد حينها أنه قد انهمك في رغبة جامحة لمعرفةٍ مفقودة، ولا شك أن أعظم هذه الرغبات لن يكون إلا بالحب، لأنه وحده القادر على خلق المعنى بهذا الإبداع.

للحديث بقية

الرسمة الملحقة للرسام الأمريكي Frederic Edwin Church (May 4, 1826 – April 7, 1900)

🕶 كُن معنا!

ستصلك منشوراتنا كل أسبوع عن الجديد
والمثير بعالم الشعر والفلسفة

لن نرسل لك البريد العشوائي أو شارك عنوان بريدك الإلكتروني مطلقًا.
اقرأ المزيد في سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

0 0 الأصوات
تقييم الأعضاء

مقالات ذات صلة

الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
زر الذهاب إلى الأعلى
Rkayz

مجانى
عرض