فرانك جاكسون: حجة المعرفة (١)

قيل أنَّ ”توماس نيغل“ أعاد مشكلة المنظور الذاتي بالوعي إلى قلب النقاشات الفلسفية حين نشر مقالته ” ماذا يماثل -ذاتيًا- أن تكون خفاشًا“1 موضحًا بها أنَّ هناك تجربةً ذاتيةً للكائن في شعوره وإدراكه العالم ذهنيًا، لا يمكننا معرفتها كما هي كاملة، فإذا كانت للخفاش حاسة الصدى لا الإبصار فنحن لدينا القدرة على أن نرى ولكننا لا نمتلك حاسةً للصدى وبهذا نحن أمام معضلة في إدراك وعي الخفاش، حتى في تصوراتنا إذ لا يمكننا تصور وتخيل كيف يعي الخفاش العالم وفق هذه الحاسة التي لا نعي عملها.
يقول بورقته:
“نحن نعلم الآن أن معظم الخفافيش (وتحديداً رتبة الخفافيش الصغيرة Microchiroptera) تدرك العالم الخارجي في المقام الأول عن طريق السونار (sonar)، أو ما يُعرف بتحديد الموقع بالصدى (echolocation)؛ حيث تكتشف الانعكاسات الصادرة عن الأشياء الموجودة ضمن نطاقها، والناتجة عن صرخاتها الخاصة عالية التردد (high-frequency shrieks)، والسريعة والمعدلة بدقة.، تلك التي صُممت أدمغتها لإصدارها ومعالجتها.
تُمَكِّن هذه المعلومات المكتسبة الخفافيش من وضع تمييزات دقيقة في نطاق إدراكها، بناءً على التناسب بين المثيرات الخارجية والأصداء اللاحقة.ولكن السونار، على الرغم من أنَّهُ يمثِّلُ شكلاً من أشكال الإدراك الدقيق للمسافة، والحجم، والشكل، والحركة، وهو ما نؤديه نحن بوساطة الرؤية واللمس،لكن سونار الخفاش، رغم كونه شكلاً واضحاً من أشكال الإدراك الحسّي (perception)، لا يشبه في آلية عمله أي حاسة نمتلكها، ولا يوجد سبب للافتراض بأنه يشبه ذاتياً (subjectively) أي شيء يمكننا تجربته أو تخيله.، وهذا ما يخلق صعوبات إبستيمولوجية؛ وعلينا أن نأخذ بعين الاعتبار أي منهج سيمكِّنُنَا من التخمين: هل ثمّة مناهجُ بديلةٌ لفهمِ مفهومِ ‘ما يكون عليه الأمر’ (What it is like) في أن تكون خفاشاً؟ وإذا فشلنا في مسعانا هذا انطلاقاً من ‘حالتنا الخاصة’ (My own case) في الاستقراء للوصول إلى طبيعة الحياة الداخلية للخفاش،2
تقع ورقةُ ”نيغل“ على إشكاليات التجربة الذاتية التي نعيشها في إدراك الأشياء ظاهراتيًا في وعينا، التي يشار إليها بمصطلح ”الكيفيات المحسوسة“/”الكواليا؛ وهي باختصار حُمرة التفاح في ذهني وذهنك، وطعم العنب والشعور بالألم، حيث أنَّ هذا الإدراك المتمثل بخبرة ذاتية في أذهاننا يكون خاصًا لأي شخص منّا، أي أنَّ وعيَكَ لا أستطيعُ الولوج إليه لأرى وأشعر بالضبط ما تراه وتفكر وتشعر فيه، وبخصوص الخفاش بصفته كائنًا آخر فإننا أيضًا لا يمكننا تجربة ما يدور في ذهنه بأذهاننا أي أن نعيش كيف يشعر الخفاش بالعالم حيث أن التصور هنا لا يكفي وسيظل هناك شيئا مفقودًا لا يمكننا نقله كما هو لنا وقد تقدمت الحوارات الفلسفية بعد ”ناغل“ وتطورت مرورا بورقة جاكسون وحجة المعرفة إلى مفهوم ومصطلح الفجوة التفسيرية،الذي أسسه جوزيف ليفين (Joseph Levine) مصطلح “الفجوة التفسيرية” (Explanatory Gap) في ورقته البحثية التأسيسية عام 1983م متحدثا بها عن فجوة بين العمليات الفيزيائية والعمليات الذهنية الشعورية3
فرانك جاكسون، وحجة المعرفة
الفيلسوف الإسترالي فرانك جاكسون في ورقته “Epiphenomenal Qualia” عام ١٩٨٢م نشر حجته المسمّاة : حجة المعرفة4، حيث ضربَ مثالين مختلفين يدحض بهما مذهب الفيزيائية الذي يقول بأن كل شيء وظاهرة بالوجود لابد أن تكون فيزيائية، لكن فرانك جاكسون يعترض بأن هذا المذهب لا يمكنه شرح الكيفيات المحسوسة بأذهاننا،بصفتها خبرة ذاتية غير قابلة للتفسير الفيزيائي،
وبإسهاب تتحدى “حجة المعرفة” ادعاء المذهب المادي/الفيزيائي من خلال إثبات أن الشخص يمكن أن يمتلك كل المعلومات الفيزيائية والفسيولوجية والكيميائية الممكنة حول الإنسان والعالم، ومع ذلك يفتقر إلى معرفة جوانب معينة تتعلق بالتجربة الذاتية -الكيفيات المحسوسة بأذهاننا للأشياء والشعور- وبما أنه من الممكن امتلاك كل المعلومات الفيزيائية دون امتلاك كل المعلومات المعاشة والمتاحة، فإن هذا يعني بالضرورة أن المذهب المادي ناقص أو خاطئ لأنه يغفل جزءاً عن الحقيقة.
ما هي الكيفيات المحسوسة؟
إنها تجربتنا للاشياء في أذهاننا، أو كيف يبدو الشيء في تفكيرنا وإحساسنا به، فمثلا حُمرة التفاحة، هذه اللون الأحمر الذي نراه الآن، هو كيفية محسوسة ندركها في ذهننا، وكذلك طعم العنب، أو الشعور بالألم، هذه كلها يُطلق عليها كيفيات محسوسة، أو خبرات ذهنية ذاتية.
فريد صاحب القدرة الفائقة على رؤية الألوان..
يفترض جاكسون في حجته أنَّ هناك شخصًا يُدعى ”فريد“ يمتلكُ قدرةً بصريةً استثنائية تجعله يرى لونًا إضافيًا لا يستطيع غيره رؤيته، حيث يميّز بين درجتين مختلفتين تماماً من اللون الأحمر (أحمر1 وأحمر2) وكأنهما لونان مختلفان كليًا مثل الأصفر والأزرق، فحينما نضع أمامه صندوق طماطم، يقسّم فريد الطماطم إلى صنفين بناءً على أنه يرى لونين مختلفين لهما نحن لا نراهما5.
فنحن نرى كل حبات الطماطم باللون الأحمر لكن فريد يراهما بلونين مختلفين تمامًا، أحدهما فلنفترض أنه أحمر1 والثاني هو اللون أحمر2، وحينما تُعاد عليه التجربة يقوم بتقسيم الطماطم تمامًا كما المرة الأولى مما يثبت لنا أنه يرى لونين مختلفين، أما نحن لا نستطيع الوصول إلى هذا المستوى من دقة التمييز.
قد يكون ”فريد“ يمتلك بنية عصبية مختلفة، كما يفترض ”جاكسون“ بورقته، ربما لدى ”فريد“ مخاريط (Cones) “فريدة“ في (retina تستجيب بشكل تفاضلي لموجات ضوئية معينة في القسم الأحمر من الطيف لا تحدث فرقًا بالنسبة لمخاريطنا (أو ربما لديه مخروط إضافي)، وهكذا يؤدي ذلك عند “فريد” إلى نطاق أوسع من تلك الحالات الدماغية (Brain states) المسؤولة عن السلوك التمييزي البصري، لكنّنا مهما درسنا عنها لا نستطيع تحديدًا أن نرى هذين اللونين كما يراهم فريد.
يفترض ”فرانك جاكسون“ أننا لو جمعنا كل المعلومات الفيزيائية حول جسد فريد، وتكوينه الفسيولوجي، وعقله، وسلوكه، فإننا سنظل جاهلين تماماً كيف تبدو تجربة رؤية هذا اللون الجديد بالنسبة له.
هذا الجهل المتبقي يثبت أن المعرفة الفيزيائية الكاملة تترك شيئاً مفقوداً، وبالتالي فإن المذهب الفيزيائي/المادي غير مكتمل6.
مريم عالمة الألوان
ماري عالمة بارعة متخصصة في الفسيولوجيا العصبية للرؤية، أُجبرت على العيش طوال حياتها في غرفة خالية من الألوان (أبيض وأسود فقط)، وتدرس العالم من خلال شاشة تلفاز أبيض وأسود.
اكتسبت ماري جميع المعلومات الفيزيائية التي يمكن معرفتها عن الرؤية، مثل كيفية تفاعل الأطوال الموجية مع شبكية العين والجهاز العصبي لإنتاج مصطلحات مثل “أحمر” و”أزرق”.
يطرح جاكسون السؤال:
ماذا سيحدث عندما تخرج ماري من هذه الغرفة وترى العالم الملون لأول مرة، أو عندما تُعطى شاشة ملونة؟ الجواب البديهي هو أنها ستتعلم شيئاً جديداً عن العالم وعن تجربتنا البصرية له، وبما أنها تعلمت شيئاً جديداً بمجرد خروجها فهي الآن ترى فعليا الألوان بذهنها وسابقا كانت تقرأ عنها وعن كيفية نشوئها وتفاعلها العصبي، فهذا يعني أن معرفتها الفيزيائية الشاملة التي اكتسبتها مسبقاً لم تكن كاملة لتجعلها تراها كما هي بهذه اللحظة التي ترى ماري الآلوان أي أن هناك معلومات تتجاوز كل المعلومات الفيزيائية، فهناك معلومات ناقصة، مما يعني أن ادعاءات المذهب الفيزيائي/المادي باطلة.7
خلاصة القول، توضح حجة المعرفة أنه لا يمكن لأي قدر من المعلومات الفيزيائية البحتة أن يصف الجوانب الشعورية الخالصة للتجربة (الكواليا)، مما يشكل تحدياً لا يمكن تجاوزه للفيزيائية.
الحجة الموجهة.. Modal Argument
قدّم كذلك فرانك جاكسون بورقته حجةً أخرى أطلق عليها الحجة الموجهة
التي تعتمد على فكرة “العوالم الممكنة” (Possible worlds) لتحدي المذهب الفيزيائي8.
تقوم هذه الحجة على فكرة أنه لا يوجد أي قدر من المعلومات الفيزيائية حول شخص آخر يستلزم أو يثبت منطقياً أن هذا الشخص يتمتع بالوعي أو يشعر بأي شيء على الإطلاق. بناءً على ذلك، تفترض الحجة أنه من الممكن منطقياً وجود “عالم ممكن” يحتوي على كائنات تشكل نسخً فيزيائية جسدية متطابقة تمامًا معنا في كل التفاصيل (بما في ذلك الحالات الوظيفية والتكوين الفيزيائي)، ولكنها تفتقر تماماً إلى أي حياة عقلية واعية أو “كواليا”
وبما أننا في عالمنا نمتلك الوعي، بينما تلك النسخ المتطابقة فيزيائيًا في ذلك العالم الممكن تفتقده، فهذا يعني بالضرورة أننا نمتلك شيئًا غير فيزيائي، مما يؤدي إلى استنتاج أن المذهب المادي خاطئ ،
لكن “جاكسون” رأى أن هذه الحجة تستند بطريقة أساسية إلى “حدس موجه” (Modal Intuition) قابل للجدل والنقاش9، و المقصود بالحدس الموجه هنا هو “الاعتقاد البديهي أو الافتراض بأنه من الممكن منطقيًا وجود هذه النسخ الفيزيائية المتطابقة الفاقدة للوعي”
وبما أن هذا الحدس ضعيف ومحل خلاف شديد، لأن هناك العديد من الفلاسفة الذين ينكرون بصدق إمكانية وجود نسخ فيزيائية منا تفتقر إلى الوعي في عوالم أخرى بل إن هناك فلاسفة كانوا يتبنون هذا الحدس سابقًا ثم تراجعوا عنه وبدأوا يشكون فيه وبما أن مقدمة الحجة (الحدس الموجه) يمكن رفضها وإنكارها ببساطة، فإن الحجة تفقد قوتها الإقناعية، لذلك فضّل حجة المعرفة عليها.
تتميز “حجة المعرفة” (مثل تجربة ماري التي تعلمت كل الفيزياء في غرفتها البيضاء والسوداء، أو تجربة فريد الذي يرى لونًا جديدًا) بأنها تمتلك هذه القوة الجدلية فمقدماتها بديهية وواضحة لجميع الناس، أو لأكبر عدد ممكن منهم، لتكون قادرة على إقناع أولئك الذين لا يقتنعون ببديهية الحجة الموجهة.
النقطة المركزية في حجة المعرفة هي أنه “يمكنك امتلاك كل المعلومات الفيزيائية دون أن تمتلك كل المعلومات المتاحة عن التجربة الشعورية”، وهي مقدمة قوية جداً ويصعب إنكارها بشكل حدسي.
إذن فضّل جاكسون حجة المعرفة على الحجة الموجهة لأن الأخيرة تعتمد على حدس موجّه (modal intuition) قد ينكره البعض، ولذلك أعاد طرح حجته عن (ماري عالمة الألوان) في ورقته الثانية التي حملت عنوان : ما الذي لم تعرفه ماري.. عام ١٩٨٦م10
الفرق بين حجة توماس نيغل وحجة جاكسون
يوضح فرانك جاكسون بورقته أن هناك فرقاً جوهرياً بين حجة المعرفة التي يطرحها، وبين حجة توماس ناجل الشهيرة بـ ”ماذا يماثل -ذاتيا- أن تكون خفاشًا؟” (What is it like to be a bat؟)
يمكن تلخيص الاختلافات الرئيسية بين الحجتين فيما يلي:
وجهة النظر الذاتية عند ”الخفاش“ مقابل نقص الحقائق (خصائص التجربة) عند (فريد أو ماري عالمة الألوان) فحجة توماس ناغل بالخفاش:
تركز بشكل أساسي على فكرة “وجهة النظر” .
حيث يبرز ”نيغل“ بأنه لا يمكن لأي قدر من المعلومات الفيزيائية أن يخبرنا ”ماذا يماثل أن تكون خفاشًا“ ، لأن فهم ذلك يتطلب امتلاك وجهة نظر الخفاش ذاته وبما أن المصطلحات والمعلومات الفيزيائية هي موضوعية بطبيعتها ويمكن فهمها من وجهات نظر متعددة، فإنها تعجز عن التقاط التجربة الذاتية المحصورة في منظور واحد أما ”حجة المعرفة“ لجاكسون فلا تتمحور حول ”العجز“ عن تبني منظور كائن آخر من الداخل.
حجة جاكسون تكمن في أن هناك خاصية أو حقيقة معينة تتعلق بالتجربة الشعورية (مثل الجودة الخاصة لرؤية لون جديد) نجهلها تمامًا وأن المذهب الفيزيائي يفشل لأنه يترك هذه “الحقائق” ناقصة، وليس لأنه يفشل في جعلنا نعيش منظور الشخص الآخر.
يشرح ”توماس ناغل“ مشكلة الخفاش على أنها صعوبة في الخيال/التصور أو الاستنباط؛ أي أننا عاجزون عن تخيّل تجربة غير مألوفة (كأن تكون خفاشاً) بناءً على تجاربنا البشرية المألوفة، نظراً للاختلاف الشديد بيننا وبينهم.
أما حجة المعرفة لا تعتمد رطلاقًا على قدراتنا الخيالية أو الاستنباطية إذ يرى ”جاكسون“ أنه لو كان المذهب الفيزيائي صحيحًا، فإنَّ امتلاكنا لكل المعلومات الفيزيائية كان سيغنينا تمامًا عن أي حاجة للقيام بمجهود خيالي أو استنباطي لمعرفة خصائص التجربة.
المشكلة التي تقدمها ”حجة المعرفة“ ليست في عجز خيالنا، بل في أن المعرفة الفيزيائية بحد ذاتها تفتقر إلى تلك المعلومات.
أبرز ”جاكسون“ في ورقته أن ”توماس نيغل“ بحجته لا يقدم اعتراضا على الفيزيائية ، لكن ”حجة المعرفة“ تتحداها بإثبات أن المعرفة الفيزيائية تفتقر إلى خصائص ومعلومات فعلية حول التجربة الشعورية، وكيف تكون.11
ختامًا
حرك نيغل النقاشات الفلسفية بنشره هذه الحجة التي انطلق بعدها يرد على خصومه، خصوصًا أنه تبنى مذهب العرضية التابعة للوعي بصفته حالة ثانوية غير موثرة بالمادة، وقد نوقش فرانك جاكسون بحججه، ونشر ردوده بعد ذلك علي خصومه، إلى أن تنازل بعد ذلك عن حجته وهو ما سننشر عنه مقالتين إحداهما عن ردوده على خصومه ثم بعد ذلك تراجعه عن حجته وتبنيه المذهب الفيزيائي، وبرغم هذا التراجع مازالت حجة مريم قائمة ليومنا هذا.
عصام مطير – قراءات فلسفية – فلسفة العقل المعاصرة





