التعب وجوديًّا، قراءة ظاهراتية في أُفق المعنى

لست من الذين يقولون بما قاله محمود درويش بقصيدته القصصية الرمزية:
“لا شيء يعجبني”1، بل تعجبني بعض الأشياء وتثيرني بانفعالات أخرى غيرها لكنني لا أُفتتن إلا بتلك البراءة وذلك الذكاء، إذ انهما ما أن يجتمعا بإنسان جعلاه جذابًا لي، وكذلك فإن الطبيعة حين أعود إليها أعي في ذاتي ما لا يوصف من جمال الشعور، وأما الدهشة فلها تفاصيل أخرى.
تتقاطع جملة ”لا شيء يعجبني“، مع مفهومين يتداخلان فيما بينهما بحدود، فالعجب بمعنى الدهشة شاملًا بذلك الاستغراب له أيضًآ تقاطعه مع الإعجاب بمعناه التلذذي المثير، ونحن في حديثنا حين نقول أنه يعجبني هذا الموقف أي أنني في ودٍ له ولذةٍ به، مدركٌ لما فيه من إثارةٍ في ذاتي آجدها جيدة، وفِعْلُ الإعجاب هنا ينتمي لنوعٍ من التلذذ المكافئ عليه عبر مساراته العصبية بالدماغ كما تكشف الدراسات عن التلذذ بالموسيقى أو انعدامها مثلًا، غير أن نص درويش لم يكن محدودًا بهذا الجانب البسيط بل ينبع فيه العجب الوجودي أن يكون هناك دهشةً من هذا العالم محفزةً للسوال وفاتحةً للاستمرار، وهذا ما سنكشف عنه في تحليلنا لنصه.
“لا شيء يعجبني” ..
جاءت القصيدة على البحر الكامل، شعر تفعيلة بلا قافية، وقد حكى بها الشاعر مشهدًا من مادة السفر بالباص، معبرًا به عن انتهاء المعنى، شاملا بذلك فقدان التلذذ والشعور بقيمة الحياة، مجسدًا الحياة ذاتها بهذا العصر.
“لا شيءَ يُعْجبُني” يقول مسافرٌ في الباصِ – لا الراديو ولا صُحُفُ الصباح، ولا القلاعُ على التلال. أُريد أن أبكي يقول السائقُ: انتظرِ الوصولَ إلى المحطَّةِ، وابْكِ وحدك ما استطعتَ”
تأتي الانعطافة الأولى بالنص من خلال التحول الذي حدث بين أن النص في مطلعته كان على لسان شاعره كما نتصور مبدئيا بأوّل الكلمات“ لا شي يعجبني“ ليظهر أنها كلمات شخص آخر خلَقَهُ الشاعر في نصه “لمسافر“ لا الشاعر الذي أصبح هكذا راويةً لما يحدث، وهذا التحول يحقق الجديد، ويثير البقاء في القراءة بعد لذة الولادة للنص في مسامعنا، فنحن الآن بمشهد كما بدأ (يقول مسافر في الباص).
أحيا تسلسل الحدث والإصغاء بالانعطاف بالمتلقي ومفاجأة توقعاته بالنص.
”المسافر“ هنا هو الإنسان في هذا العصر في إطار الحضارة حيث الإعلام والسلطة، فالراديو والصحف والقلاع يشيرون معا لمنظومة الدولة وقد نستشف من القلاع رمزية التاريخ ليكون هذا الإنسان قد ملّ من هذا الوجود المحاصر فيه بحضارة القوة (نحن هنا أمام مظهر التعب وجوديًا) ( لا شيء يعجبني) ، أما الباص الذي مثّل مكان الحوار فقصدَ به الحياة برمتها، غير أنَّ هذا القول وحده لا يكفي لتحقيق المفهوم الذي أراده درويش لنجدنا مهتمين بما يعنيه مع مضي النص، وهذا عادة ما يفعله المشهد القصصي إذ يمنحنا تطلّعًا لفهم المعنى والدخول بالمشهد خيالا، وإن كان الشعر قديمًا قد اهتم بالتشبيه والتصوير المركز غالبًا، فنحن في عصر درويش دخلنا بالمشهد القصصي الذي يرمي بنا احتمالات الشعر مواجهة العالم ووجود الإنسان فيه.
“تقول سيّدةٌ: أَنا أَيضاً. أنا لا شيءَ يُعْجبُني. دَلَلْتُ اُبني على قبري، فأعْجَبَهُ ونامَ، ولم يُوَدِّعْني”
عبر شخصية المرأة أقحمنا درويش في أزمة الأنثى التي ترى العالم من خلال أبنائها، وهذا الاختيار كان يمثل المرأة أمام العالم في تصور درويش وهي الشخصية الوحيدة بالنص للأنثى، مبرزًا بذلك ما تعانيه الأمومة ذاتها في هذا العصر، لكنه أيضًا بوعي أو بلا وعي منه انطلق من جندرية الأنثى في العالم العربي، وكيف نظرتها لهويتها الأهم، وهنا لا أرى ذلك معيبًا كون الأمومة هي أعظم درجات الحب، مما يسترعي انتباهي أننا هنا أمام يأس الحب من حياة تفقد معناها بالانقطاع الأبدي لمن أحببناه، وبهذا المقطع يتضح أكثر أننا أمام نص وجودي يشكل الباص فيه رمزية رحلة الحياة،
نحن في هذا القول التي قالته الأم أمام معنى أكبر تنطق به ”لا شيء يعجبني“ إنه كآبة العيش في عين من فقدت ابنها.
سنلاحظ أن محمود درويش قد بدأ سرد شخصيات نصه في الباص بهوية (مسافر) ثم اتجه لشخصيات أخرى وهكذا سيكون كل ما بعد المسافر متضمنا أيضًا شخصه، فالمسافر هو الإنسان عموما ثم بعد ذلك هوياته الآخرى.
“يقول الجامعيُّ: ولا أَنا، لا شيءَ يعجبني. دَرَسْتُ الأركيولوجيا دون أَن أَجِدَ الهُوِيَّةَ في الحجارة. هل أنا حقاً أَنا؟”
تحديدًآ بهذا المقطع يبرز فقدان المعنى بهذا العصر الذي قدّم المعرفة علمًا قطعيًا يتصادم مع براءات الإنسان في عصور مضت، مما جعله حائرًا من ذاته فشخصية الجامعي الذي فقد معناه بفعل العلم، إنّها إشارة لاختزال الوجود والهوية في ذاته، لينقلنا محمود من الأمومة المنهارة إلى الهوية المتصدعة والشك بالذات، ولا يخفى الأركيولوجيا هنا مجرد مثالا على استلابات الإنسان الوجودية في إدراكه العالم، والحجارة وإن كان يظن البعض أنها رمزية لحجارة أطفال فلسطين إلا أن المعنى أوسع عن ذلك بفعل السياق ودلالات المقطع ذاته ، فالذي يقدمه هنا محمود درويش لا علاقة مباشرة له بفلسطين بل بالإنسان الحديث الذي شك في هويته الوجودية والدينية، إذ أصبح بفعل العلم فاقدا للمعنى وإن كان المعنى الخاص ذاك قد يجد نفسه بالمعنى الكبير الذي نتحدث عنه.
“ويقول جنديٌّ: أَنا أَيضاً. أَنا لا شيءَ يُعْجبُني. أُحاصِرُ دائماً شَبَحاً”
إن شخصية الجندي تعكس لنا حالة الخطر والترقب هذه الدائمة لديه، والجندي إحدى شخصيات هذا العصر التي تشملنا وإن كان قد خصص له بوظيفته هذه ما يجعله الأكثر انتباها لهذا الخطر المحدق به، فأينما يذهب يظل مطاردًا.
سنلاحظ للآن على المستوى الشعري كيف أن تجاوز القافية منح النص الشعر العربي مساحة كبرى من الإبداع، الوعي بالشعر كذلك تصاعدي لا يختلف بذلك الشاعر عن (المتلقي أو الشاعر المسكوت عنه)، حيث أن الأخير هو مسار الوعي بالشعر بينما الأول هو الماء المتدفق.
وبعيدا عن النص الذي بين أيدينا الذي برزت فيه القصة اداةً شعرية لها جمهورها فإن نصوص درويش تحتاج بالمجمل وعيًا شعريًا أكبر بها عبر التعرض للشعر وتطوير ذائقة المتلقي ورؤيته المعرفية فلا أحد يصل لإدراك محمود درويش دفعة واحدة، لابد أن يكون قد سبقه جملةٌ من الشعراء…
قد تدرك الحس القصصي مبكرًا لكنك لن تدرك الشعري إلا بسابق تجربة، ومحمود درويش حافظ على الوزن الشعري لكنَّه تجاوزَ القافية كما نرى تعبيرًا عن التحرر، وقد قصم الجمود الشعري، بافتتاح الرمزيات بعيدة المنال التي تكشف عن هوية الثائر المتخفي والواعي لخطورة العالم
أما الموسيقى الشعرية فإدراكها بلا قافية يكون خاصيةً لعباقرة التلحين والطربية وذوي الإحساس اللغوي الموسيقي العالي وقد يصعب لخطيب المنبر الوعي بها لأنَّ الخطابة تعتمد على التاريخ أعني ذاكرة الجمل بتراكيبها المكررة، مما يجعل القصائد العمودية أسهل في إدراك موسيقيتها الوزنية من الشعر المتجاوز للقافية الذي سيدفع الشاعر لابتكار وسائل أخرى تغطي غيابها ومنها الحوارات كما نرى بهذا النص.
ونعود لنص درويش ” لا شيء يعجبني“..
يقولُ السائقُ العصبيُّ: ها نحن اقتربنا من محطتنا الأخيرة، فاستعدوا للنزول… فيصرخون: نريدُ ما بَعْدَ المحطَّةِ، فانطلق! أمَّا أنا فأقولُ: أنْزِلْني هنا. أنا مثلهم لا شيء يعجبني، ولكني تعبتُ من السِّفَرْ.
عند هذا المقطع، تأتي إرادة الحياة في صراعٍ مع كل ذلك التذمر الوجودي منها وخيبات الأمل، لنجد بأنَّ القدر الذي تمثل في كون المرء يحيا ويعيش عالمه ليواجه هذا الانطفاء الصادم عند الشخصيات السابقة، قد دفعهم للأمل بالمزيد،
مما يعيدنا في هذه اللحظة بالذات لقول المعري:
تعبٌ كلها الحياة فما أعجب
إلا من راغب بازديادِ2
وهذا الاستغراب أو الدهشة من هذا التناقض أعاده درويش مرة أخرى بطريقة مختلفة عبر هذا المشهد القصصي، ليؤسس لنا دهشتنا منه، أي شخصية الشاعر الذي تسلل للنص ببراعة ليقول هو:
” أمَّا أنا فأقولُ: أنْزِلْني هنا. أنا مثلهم لا شيء يعجبني، ولكني تعبتُ من السِّفَرْ“
هكذا أبرز لنا درويش عدم تناقضه، وبأنه جمع بين التشاؤم وفقدان لذة الحياة، ولكنه أيضا لم يختر الانتحار بل الموت بطمأنينة إذ أن السائق هو من أخبرهم بأن المحطة الأخيرة قد اقتربوا منها ليصرخوا بالمزيد من الحياة أما هو فراض بالنهاية،.
نعود للنص من الناحية الفنية، الشخصيات التي شملت: المسافر (الانسان عموما) الأم ( الحب بأقصى وأعمق معانيه) الجندي ( أراه إنسان هذا العصر تحديدا) الجامعي (الحائر بالعلم) السائق ( القدر أو العمر) الشاعر الذي هذه المرة ظهر بالنص دون أن يقول قال الشاعر، كل هذه الشخصيات منحت مشهد ”لا شيء يعجبني“ مكانة بالشعر الحديث عبر النظر لمعضلة الإنسان مع العالم.
وأما تكرار ”لا شيء يعجبني“ فقد أنسانا القافية وهذه كانت من أساليب تجاوزها، وسنلاحظ ردًا على ما بدأناه بالانعطاف نحو الراوي الذي يحكي قول غيره في مطلع النص إلى الانعطاف نحو الشاعر الذي يظهر بالنص في آخره معلنا موقفه.
تعبٌ كلها الحياة..
في نص محمود درويش ”لا شيء يعجبني“ حقق المشهد القصصي في نهايته مراد الشاعر في تبيان فقدان اللذة والاندهاش بالحياة وانسجام ذلك مع كونه متعبًا من السفر، وهذا التعب قد قطع أمله بأن شيئًا سيتغير، على غير ما طلبه الآخرون المستاؤون من الحياة والفاقدون مثله اللذة والاندهاش لكنهم مازالوا يرون أملا بالعمر (فيصرخون: نريدُ ما بَعْدَ المحطَّةِ، فانطلق!)
تعبٌ كلها الحياة فماأعجبُ –
– إلا من راغبٍ في ازديادِ
المعري
إنَّ العجب الذي شعر به المعري هو ما تبقى من الحياة في الجانب الآخر الضئيل المقابل والمواجه لهذا (التعب)، وإن كان العجب بصيغته الشعرية تتضمن الاستغراب أسلوبًا ساخرًا إلا أنها تكشف لنا عن الشعور المعرفي الذي اتخذ وجوده في نفس المعري، فالشعر يكشف لنا بلغته عما هو ظاهرة شعورية في ذهن الشاعر، وإذا قال المعري ”تعبٌ“ كلها الحياة، فقد أشار بذلك لموقف نقدي وتحليلي للوجود الذي يعيشه الإنسان بهذا العالم لكنه بالوقت ذاته كان قد قدم بعد هذا الوصف تعبيرا عن شعوره وموقفه ”فما أعجب“ ليكون بذلك هذا الموقف هو الخيط الحيوي المعفي الذي ظل خارج هذا التعب وهكذا من الممكن أن نستشف (العجب) /(الدهشة) بما يحويه من استغراب، شعورًا خارج نطاق ظاهرة التضاؤل بالمعنى الذي حققه التعب في ذات الإنسان المتعب.
إنَّ العجب هكذا انفعال أولي يمثل البنية الأساسية الأولية للشعور المعرفي الحي، فأن تحيا أي تخوض وعيًا جديدًا بشيء، وما أن تحياه تمامًا يفقد معناه ليصب في خانة تضاؤل المعنى على أقل تقدير، أي في التعب ذاته، لكن هذا النوع من الولوج لعالم تضاؤل المعنى جاء من باب فقدان القيمة، والحياة تكسب قيمتها من خلال الجديد، وبيت المعري يتحدث عن الأوجاع والصدمات التي يتلقاها الإنسان بهذا العالم كما أن محمود درويش في تحدث بشخصيات نصه ”لا شيء يعجبني“ عن الصدمات ذاتها إلا أن ” لا شيء يعجبني“ عند درويش ليست ” ولا أعجب ” عند المعري فالأولى معناها فقدان التلذذ والتوهج ودود بالنفس التي هي ايضا بمعناه لا شي يثير اهتمامي أو محبتي أو تجربتي الجمالية، فهناك الإعجاب ككلمة لها معاني تشمل كل ما سبق لكن عجب المعري من صنف التعجب لا الإعجاب، فلا أعجب إلا ” أي لا يدهشني أو يثير استغرابي إلا هذه الرغبة بالمزيد من الحياة، وهذا المعنى قد تطرق له درويش بطريقته حين جعل شخصيات نصه تطلب محطات جديدة، لكنه مثل المعري قد اختار أن ينزل بالمحطة الحالية. الشاعر ان قد اختارا الموقف ذاته ”تعبت من السفر“، لكنهما اختلفا بأدوات عرض رأيهما، وتجسيده الشعري.
الدهشة السقراطية والعجب الديكارتي..
إن الحياة مسألة خاصة جدًا، وهذا الموقف الذي أعلنه من الحياة ينطلق من تجربته الذاتية المعاشة في عالمه، وتضاؤل المعنى الذي يمثله التعب قد يكون جسديا واجتماعيا ومفاهيميا، لكنه يخص المعري وحده كحدث أما كظاهرة فنعم إن التعب هو تضاؤل المعنى لأي منا، غير أن المعري نبهنا لنقطة ”فما أعجب“ لنكتشف بذلك أنه يشير لأمر لا يقع في مضمار التضاؤل، ويمثل أدق وصف للحياة، إنه الدهشة أو العجب لكن هذه المرة ليس ما قاله سقراط في محاورات افلاطون:
“هذا الشعور بالدهشة من علامات الفلسفة ، بل ليس للفلسفة من مصدر غيره“، والدهشة السقراطية افتتاح للأسئلة وهي عند المعري بتعجبه بقايا حياةٍ شعورية لا تُختزل في قنوات الحب/الكراهية/الفعل، إنها أدق ما تبقى من المعنى للتعبير عن الاستغراب من الموقف الراغب بالحياة، لينعكس مسار الدهشة من فاتحة للأسئلة إلى إجابة مغلقة، هي الموت، وقد نجد في فلسفة ديكارت بالانفعالات ما يحكي لنا التعجب بصفته انفعالا شعوريا أوليًا لأنها تسبق الحكم العملي على الشيء، وبالنسبة للمعري فقد اتجه بانفعاله لوصفه وإذا كان التعجب wonder عند ديكارت انفعالا أوليا سابق للحكم بصفته كشفا للجديد وغير المألوف فإنه من المؤكد أن موقف المعري سابقا لهذا الشعور بمعناه عند ديكارت مع ملاحظة زنه عند ديكارت نفسه ليس خاليا من محتوى معرفي، وهنا ينقلنا الشعر بصفته مرحلة قريبة من الشعور إلى هذا المعنى مع إدراكنا ان موقف المعري نفسه من الحياة كان فكريًا لا موقف عابر في ظل كثرة شعره بهجاء الحياة لكن التعجب هنا لامس هذا التفسير الديكارتي عبر تجسيد المعري له شعريا بعد أن أصّل موقفه عبر التعب، فالتعب الذي أدى لتضاؤل المعنى دفع نحو الشعور الأخير بالحياة : التعجب/الدهشة، إنها هكذا الخيط الرفيع المعفي من سيطرة ظاهرة التعب.
ما التعب؟
إن التعب هو تضاؤل المعنى، انه انحسار لظاهرة المعنى في ذاتي الى الخارج، وفي ذاتي الى ذاتي ايضا، انا متعب فلا استطيع أن أحب جيدًا، ولا أن اكره جيدًا، ولا أن أتجه للخارج جيدًا، ولا للداخل أيضا.
إنَّ المعنى حينئذٍ أصبح محتكرًا في نطاق الأنفاس واللحاق بالوجود لا رفضه، أنا لا أرفض الوجود لكني لا استطيع، وهنا موقف لابد من تمييزه في سياق الشعور بالزمن أيضا الذي عادةً ما يكون مجسدًا في شعر المعري بالتأفف من الدهر، وهكذا فأنا متعب أي أدركت تاخري زمانيا وهذا العالم امامي الان يمضي بسياق زماني اسرع هذا يكفي لاقول من جهة اخرى اني ألاحق الوجود ولا استطيع بلوغه لكني لم اسقط عنه بعد فأصابعي تكاد تلامس حوافه لكني لم اسقط.
هل أنا في هذه اللحظة أعي الوجود بطريقة أفضل وأوسع؟
هذا ما يحققه الفقدان والذاكرة الحية، إنني هنا أعي بطريقة أمثل ما ينبغي علي أمام وجودي الذي كان، ولنعد هنا لما قاله ”ليفيناس“ عن التعب بكتابه (الوجود والموجودات)3 إذ ركز على اللحاق بالزمن ورفضه الوجود، فالتعب عند ليفيناس يمثل بالفعل رفضاً للوجود، ولكنه يصفه بأنه “رفضٌ مستحيل”.
التعب عند لينفيناس ليس مجرد استياء من بيئة معينة أو أشخاص محددين، بل هو رغبة في الهروب من الكينونة والوجود نفسه، في محاولة للتهرب بلا غاية وبلا وجهة محددة والرفض كـ “حدث” وليس كـ “حكم”: لا يحدث التعب كحكم عقلي أو استنتاج نظري بأن الحياة مؤلمة، بل إن التعب بكل كيانه وبمجرد حدوثه هو عملية رفض الوجود. أن تكون متعباً يعني أن تتنازل عن الوجود وتتخلى عنه قبل إطلاق أي حكم لكن الوجود نفسه كعقد صارم لا رجعة فيه، وما يخشاه التعب وينفر منه هو ممارسة هذا الوجود، حيث يرفض التعب بعجزٍ تحمل أعباء الكينونة.
هذه القراءة الفلسفية التي قدمها “ليفيناس”، أراها مخالفةً لما ينكشف لي ظاهراتيًا في خبرة التعب، فالمشهد الفلسفي للتعب هذه المرة عندي في نطاق المعنى كيف أن الوعي بالذات والعالم مرتبط بمعنى يتسع أو يضيق عبر التعب، ورغبتنا بالوجود ليست الرفض بل اللحاق في هذا المعنى وتأكيد الوجود من خلاله، ليصبح التعب بكافة أسبابه متعلق بدافع البقاء والتمسك بالوجود ، ويؤكد هذا بقاء أخر الانفعالات التي أفشى بها المعري وهي ذاتها حالة الشعور بمسؤولية الوجود وغايته.
انا متعب لكن التضاؤل قد يكون جسديا وقد يكون من اللغة وقد يكون من الخوف او الهلع، غير أن العجب الذي تحدث عنه المعري بصفته شاعرا قد بيّن الانفعال الذي يظل خارج تضاؤل المعنى لأنه ليس مصدرا للفلسفة فقط بكونه إدراك انما هو الحياة الشعورية الأولية التي لا يمكن أن تنقطع حالها حال الأنا، فانا متعب وأعي ذاتي في خضم ذلك وأنا حي وحياتي فقط مرتبطة بالدهشة التي صاغها المعري بشعره اعتراضا او امتعاضا او تساؤلا مثيرا لنا لكنه بالنسبة له الضفة التي لا تنضم للتعب.
إذن هل كان المعري رافضا للوجود أم كان يعبر عن اللحاق به دون رفضه، هنا من الممكن ان نختلف مع قراءات تراه رافضا للوجود لأن العجب في حد ذاته يشي برغبته الحية بالوجود ذاته لكنه في صراع مع تضاؤل المعنى يدفعه شعرًا نحو وصف الحياة ”كلها“ موقفا اتخذه كان قد وصل به الى الانفعال الأساسي الذي نتحدث عنه الذي هو خارج كل هذا الموقف إنه العجب/الدهشة.
التعب بصفته دقة ظاهراتية..
لقد أبرز كل شاعر مقدرته علي مر التاريخ في الإنصات لنفسه، وقيادة اللغة نحو التجدد، ولا شك أن التعبير الشعري يحمل عبقرية الخلق اللغوي، ويعيدنا للحظة الولادة لكلمة فيها، عبر انكشاف المعنى ظاهراتيا، في أذهاننا، ثم إن المضي بالشعور في هذه الحياة مرتبط بتزامن مع إمكانيات الجسد والمحيط، وأدق ما يمكن ملاحظته في ذواتنا لابد أن يكون بادٍ ظاهراتيا في مسرح الذهن، والتعب من الظواهر التي لا تكون فكرة مفاهيمية ولا شعورًا خامّا أعمى، بل هو في منزلة بين منزلين، من الممكن تبادره بأذهاننا باللحظة التي نتأخر فيها عن وجودنا بشعورنا، وعن لغتنا بتباطؤ الشعري عن خالقيته، انه انحسار لظاهرة المعنى بكافة تشكلاتها وظهورها كارتباط أساسي للوعي ذاته، والحياة بمعناها الأسمى، فلا يقال بأن السيارة متعبة مثلا بل الطير أو الحيوان أو الإنسان متعب، وهكذا فالتعب كظاهرة لابد أن يكون حالة وجوية للوعي لا غيره، وبالمضمار ذاته نحن لا نقول عن النبات متعبا أبدًا.
يتجلى الحكم الظاهراتي على التعب من الخبرة الذاتية أيضًا، فالحكم الذي يحدد التعب الخائض الوجود في ذاته (من منظور الشخص الأول) أما الحكم من الخار[ يظل موقفا استنباطيًّا، إلى أن يؤكد الموصوف شعوره وتقييمه المعرفي له، وكل هذا يدور في أفق المعنى، الذي يشكل العالم، ويشير للوعي/العقل، وحين يتضاؤل المعنى فنحن بتلقائية مباشرة ندرك (التعب)، الذي مهما بلغ وجوده لابد أن يكون العجب النواة الصلبة التي تمثل آخر درجات الحياة المستعصية على التعب في ولوجها قبل أن نقول بتحول قد حدث من التعب ذاته ليصبح الزوال عبر الموت أو المحطة الأخيرة كما اختارها محمود درويش (أنْزِلْني هنا. أنا مثلهم لا شيء يعجبني، ولكني تعبتُ من السِّفَرْ)
للحديث بقية..
عصام مطير





