الفكَاكُ من الزمن ..

الخطورة التي أشعر بها في كونك ملهمتي الأشد براعة في إنجاز ما لا تستطيعه الكواكب والنجوم بي ، هي جرعة إضافية من اللذة النادرة الغريبة ، وغرابتها مقبلةٌ من كون الخطر هاهنا نابعًا من خوفي من مغادرة الزمن المتراكم في صدري ، إذ معظم ما أعرفه عن نفسي خلال السنوات الماضية كان منقوشًا بعقارب الساعة ، وما أن أفكر في يومي أو غدي يأخذ الزمن قالبه المعتاد ليكرر لي مشاعري وطرق تفكيري وما ينبغي الانحياز له والمضي فيه، وها هي سبع عجاف لم أدخر من قبل لها شيئًا ولم يخطر لي الانزياح عنها وقد انتابني عزفٌ هادئٌ وبارد ، ربما كان مملًا لكنه مثّلني أو هكذا كنت في جريانه أعتقد .
إن علاقتنا مع الزمن ، هي خلاصة ما يقوله التاريخ الأدبي برمته ، ولا يوجد على حد علمي ما يوضح الحالة البشرية في هذا العالم مثل الشعر ، وما يشكله من مواقف مع أو ضد الزمن ، فالوعي الذاتي لكل منا على حدة لا يمكن اختراقه وهذا ما يُطلق عليه مشكلة الامتلاك في فلسفة الوعي ، إذ لا يمكن للآخر أن يشاركك أو يمتلك ما تمتلكه من وعي خاص بك مما يجعل مسألة الوعي مسألة غير فيزيائية أو على الأقل جزءًا منها غير قابل ليفسر بتفسير فيزيائي ،ولا يسع المرء منا سوى التعبير عنه باللغة التي جاءت منصاعة للزمن وهيمنته ، فأعماقنا شبه خارجة على الزمان والمكان أيضًا ، وإذا كانت اللغة هي أول مكتسباتنا منذ الطفولة وقد تقاسمت إدراكنا فإنها جاءت جاهزة من الوالدين ، وعلى الطفل تشكيل ذاته العاقلة من خلالها ، لكنه حينها مازال في تكوينه الواعي يقاوم الساعات والثواني ويعبث باللغة.

لقد أكدت العلوم المتعلقة بنمو الأطفال ، مراحل اللغة عندهم ، فبداياتها النطقية تقريبًا بعمر الستة شهور بما يـطلق عليه المناغاة والسجع ثم مرحلة الكلمة الواحدة فالكلمتين ثم مرحلة الكلمات العديدة ، وعلينا التذكير بأن وعي اللغة ذاتها قبل النطق به كان سابقًا ومتزامنا مع مضي التقدم بالوعي ونمو الدماغ والطفل عموما وهو بالأساس الربط بين الصوتي والمرئي والتواصلي/التفاعلي ، وهذه المرحلة العمرية لا تكون اللغة لغة بمفهومها الناضج وبروزها الكامل فهي أقرب للعبث والتمرد ، أي أنها مستوى شعري يمتزج فيه الرمز مع المعنى مع تذبذب الوعي وتأخر الزمن وتقدمه ، وقد بدا الإنسان بقدرته اللغوية فريدًا بهذا العالم ، فالتسمية وتكوين الرموز اللفظية والمعاني الذهنية هو ما أشار له الله عز وجل بكتابه : وعلّم آدم الأسماء كلها ، أي مكّنه من خصيصة اللغة في ذهنه ، وأصبحت طريقته في هذا العالم ، وبين طفولة اللغة عند الطفل وطفولتها عند آدم ، ما لا يسعنا تحديده علميًا فالطفل عالم مغلق نراقبه خارجيًا وآدم في عالم الماضي ولا يسعنا سوى التصور الفلسفي للغة في مراحل ما قبل نضجها.

لقد كانت اللغة المجازية هي أول ما تولّد أما الحقيقية فكانت آخر ما اهتدي إليه ، في البداية لم يتكلم الناس إلا شعرًا ولم يخطر ببالهم أن يفكروا إلا بعد زمن طويل .’
* روسو , محاولة في أصل اللغات
📚

ما هي فكرة المجاز المحورية ؟

الاقتراب من الشعور الذاتي فاللغة الواقعية المباشرة هي لغة مشتركة أما المجازية فهي أقرب للذاتية الخاصة وإن اختلاف درجة الشعور يدفعنا أيضًا لتشكيل الجمل الخيالية وإزاحة الألفاظ من معانيها المعتادة بتفاوت ، ويتضح لي أن كل ذلك نابع من صراعنا الخاص مع الزمن ،رغبتنا للخروج عليه ، وأيًّا كان أصل اللغة وتشكلها ، فإن تمردنا على اللغة هو باختصار شديد سعينا للقفز على الزمن ، وإن ما يؤكد لنا بأن نزعتنا للخيال هي تمردنا على الزمني والرقمي والتزامني ، الأحلام في حال المنام إذ تتكثف بها الرمزيات والمشاهد المختلقة والانزياحية ، وهي أي الأحلام ليست سوى خلاص مؤقت من الزمنية بفعل تعطّل الوعي جزئيا أو كليّا وقد أخذت الذاكرة حضورًا مختلفًا بالأحلام عن حضورها باليقظة ، ولتعطل الإدراك بالحواس غالبًا فإن قرع الباب بجوار النائم قد يدفعه للحلم بعاصفة هوجاء أو بسقوط من الأعلى لينتبه بعد ذلك بمن يطرق الباب بشدة كما هو معروف اليوم ، ومن بين مواد الحلم كانت مادة الطفولة تعمل أيضًا فيه كما وضح ذلك فرويد في كتابه تفسير الأحلام وللذاكرة وظيفة مخالفة خلال الحلم لكن الذي يهمنا هو القدرة على صناعة الخيال والمشهد فيه وإن كانت هذه القدرة قد جاءت لتعطل بعض قوى العقل خلال النوم في حين خيالاتنا الشعرية هي تمرد نجريه على اللحظة والمجتمع والحواس بإرادتنا
والإلهام الشعري لا يتأتى له التأثير إلا من خلال الفقدان الجزئي أو الكلي بالشعور الواعي بالزمن ، فالشاعر حين يكون تحت هيمنة الإلهام ويتجه به نحو التعبير الشعري ، فينغمس بخيالاته وعواطفه يتجاوز الزمنية وينصب بوعيه تماما نحو إنجاز النص ، وهو بذلك فاقد للاهتمام بالزمني وغالبًا ليس تحت سلطته وحين ينكب على اللغة يتجاوز الزمني فيها بإزاحة الألفاظ وخلق علاقات جديدة في الجمل لتمثله وخاصة الشاعر الإبداعي ولأنه لن يستطيع تجاوز الساعة وعقاربها تمامًا فإنه يكون ملتزمًا بقواعد اللغة وتراكيبها العامة إلى حد ما لكن يظل الإبداع الجديد بالنص نشيرًا لتمرده على السائد وهو التمرد الذي لم تنجبه سوى انخفاض شعوره الزمني واقترابه من الشديد من أعماقه/طفولته أو جنونه الذي يمنحه الخروج على آلة الزمن أو كما يقول بيلمان بكتابه الأدب والتحليل النفسي عن اللغة الشعرية بكونها تقدم لنا تركيبًا من هاتين اللغتين: لغة التواصل النفعي “الخطاب” ، ولغة الطفل والحلم والمجنون.

إن المتأمل بعملية النظم الشعري خلال هيمنة الإلهام سيجد تلك القفزات التي يأتي بها الشاعر من ذاكرته وعاطفته ليربطها بالآن ، فمثلًا عنترة بهذا المشهد الشعري
ولقد ذكرتُكِ والرِّماحُ نَواهِلٌ
مِنّي وبِيضُ الهِندِ تَقطُرُ مِن دَمي
,
فوددتُ تَقبيل السيوف لأَنَّها
لمعت كَبارِقِ ثَغرِكِ المُتَبَسِّمِ

,
قد صنعه خيالا شعريا عابرا ليفاقم به جزالة شعره ويوظفه للمبالغة الشعرية إما من نوبة عاطفية عارمة وهو تحت تأثيرها أو لكونه يتخلص منها عبر التعبير كما هو معروف عند نقاد وفلاسفة الأدب لكنها من ناحية أخرى مراوغة يقوم بها الشاعر للخلاص من الزمني ، فالذاكرة والعاطفة المثارة عادةً ما يكونان ثورة ضد الآن ، ولأنها حارقة فهي تأخذنا بتفكيرنا للمفارقات والمبالغات والمشاهد العجيبة ، فالزمن وحده من ينظم المنطق والسببية ولولا شعورنا بالزمن لكان الجنون والعته.

هل هما ثورة ضد الآن فقط ؟
في مراحل متقدمة جدًا مثل العشق تصبح الذاكرة والعاطفة ضد الأنا أيضًا ، وذاكرة العاشق رهينة من مَلك قلبه ، فلا يبصر سوى معشوقه أو ما يذكّره به لأن العشق توهان عن الذات بفعل الحسرة التي مست العاشق حين أدرك ذهاب الزمن بمن يحب وأنه قد بخل عليه بآن يتقاسمانه معًا وحينها يُعاد توجيه الذاكرة لخدمة هذه العاطفة الثائرة على القدر أو حتى الخائفة من حدوثه قريبًا ليكون إنكار الذات بالنهاية فالذوبان بالآخر تمامًا ، كما ورد في أخبار مجنون ليلى قيس بن الملوح ، حين سُئل ذات يوم من قوم مرّ بهم ولا يعرفونه
“من أنت؟!”، فقال لهم : أنا ليلى !

ولنزار قباني في قصيدته سبع رسائل ضائعة في بريد بيروت ، المنظومة على البحر الرمل شعر تفعيلة ، توظيفٌ مشابه لقول عنترة لكنه يوجّه ذهننا نحو الدهشة أو فلنقل موقف شعري عن الذاكرة يشرح صعوبتها ،

يقول :
▪️مدهشٌ أن أتذكّر
ليس سهلًا في زمان الحرب أن يسترجع الإنسان وجه امرأةٍ يعشقها
فالحرب ضد الذاكرة
▪️
وقد حول نزار النص لسرد ذكريات شعرية بعد ذلك عن بيروت ، ومنحه قالب التفعيلة إمكانية التفصيل وسرد الأحداث ، وهنا تأتي الأسئلة ، هل كان الشعر تعويضًا عن صعوبة التذكر الدقيق لدى البشر بالإضافة لكونه خروج من هيمنة الزمن واللغة والمجتمع؟
هل كان الشعر انطلاقًا من فضاء العشق الذي هو بالأساس إشارة كبيرة للحرمان الجنسي/الاجتماعي من الآخر ، بالإضافة لفضاء النسيان والعجز التلقائي للتذكر الدقيق ؟
لماذا سهُل صياغة الماضي شعرًا وندرت قصائد القصصية المختلقة ، ألا يدل كل ذلك على أن الشعر ذاته كان تعبيرًا عن طبيعة الذاكرة ؟
إن التخييل الذي نوظفه بالشعر قيل عنه محاكاة للطبيعة أو محاولة لإبراز نزعة الإنسان للهيمنة عليها أو أن الإنسان منح العاطفة خلاصًا يليق بها ، لكني أبصر جانبا جديدا في مسألة التوظيف الشعري ،إنه ضعف الذاكرة البشرية وطريقة عملها، إذ اندفع الشاعر للخيالات لأن الذاكرة لا تمنحه كل ما مر به بكثافة ودقة تمكنه من الهروب من سلطة الزمن ولذلك استعان بمخيلته لعل وعسى ، ولأن اللغة مخلصة للحظات والدقائق قرر قيادتها فهي لا تستحق أن تقوده بكل تفاصيله،

وهذا ما يرجعنا لأهل اللغة وشدة تصيدهم للشعراء حين يقفزون القواعد اللغوية وحتى البلاغية ، وللفرزدق مثلًا قصة قديمة حين اتهمه عالم اللغة عبدالله بن أبي إسحاق باللحن بشعره ، حيث قال الفرزدق
وعضُّ زمان يا بن مروان لم يدع
من المال إلا مسحتا أو مجلّفُ

فقال عبدالله : علامَ رفعت مجلّف؟ (أي المفروض منصوب وبالتالي يكون الفرزدق أخطآ وارتكب عيب الأقواء بالقافية وهو عيب يعتبره بعضنا ضرورة شعرية)

فأجابه الفرزدق : بما يسوءك وينوءك ، علينا أن نقول وعليكم آن تتأولوا (الفرزدق هنا أنكر وجود الخطأ وأن ما قاله ليس ضرورة شعرية” وهذا الخلاف بين الشاعر وأهل اللغة فتح نقاشا طويلًا هوجم به الفرزدق كثيرًا لكن هناك من انتصر لرأيه فالخليل بن أحمد رأى صحة ما قاله حيث حمل كلمة مجلف علر المعنى فكأنه قد قال ،لم يتبق من المال إلا مجلف وآما مسحت فحملها على الجملة كما هي ولم يدع من المال ….

إن هذه الحادثة تشكل خلاصة الصراع بين الشاعر من جهة واللغة وعلمائها الذين ظنوها جامدة أو تستحق الخلود من جهة أخرى ، والفرزدق يقوده نحو هذا التمرد والتلاعب نزعة الهروب من الزمن وإن كان ظاهرًا قد اتجه لهذه التقديرات للحفاظ على حركة القافية ، لأن الشاعرية كما آسلفنا خروج على إطار الزمن وهي امتداد لوعي الطفل الذي مازال يكسر اللغة لكنه عكس الشاعر ، حيث يقوم الطفل بتكسير اللغة ليتعلمها وليكبر في حين يقوم الشاعر بتكسيرها للولادة للخلاص لأي شيء يعيده طفلًا وأيضًا فإن التحولات باللغة وقفزها هي أيضٍا على الزمن ما كان لتفعله لولا الشعراء أنفسهم ولعله في مضمار ما قاله الشاعر الألماني هولدرين
“ولكن الشعراء يؤسسون الذي سيبقى”

بل حتى بقاء القصائد وتناقلها عبر الأزمان ليس لأن اللغة تحتفظ بحيويتها من خلال بقاء تلك النصوص عبر القرون بل أيضًا لأنها كالحروب في التاريخ، تحمل تلك الجروح الزمنية الغائرة وقد أعجبتني مقولة جياني فاتيمو الفيلسوف الإيطالي حين علق على مقولة هولدرين وتأييد هيدجر لها :
“إن ما يضع الأرض في المقدمة بالشعر بوصفها ما ينغلق ويستدعي الموت
هو قبل كل شيء صفة الشعر كنصب تذكاري”


وقد أتفق ضمنيًا ببعض ما تشير له الجملة من معاني باستثناء فكرة الموت وتوظيفها برأيي عن التمرد على الزمني لأني آبصر الخلق / التشكيل الجديد الذي تطلبه شاعريتنا ، لوجود تستحقه ، لا لتذبل بل لتنمو وتزدهر وإن كنا بنهاية المطاف سنخسر وهذا الوعي العميق بالنهاية تغطيه كثبان هائلة من الاستغراق بحوادث الحياة وتفكيرنا بالخلاص عبرها ، مما يجعل الخطورة ، خلف المشهد الشعري تسن سكاكينها لكنها من حيث لا نعلم تزيد حيويتنا ، وإن خطورتك أنت باقترابك أو ابتعادك ، آيقظتني من الزمني جدًا ،
من ذلك الجمود الذي غرقتُ فيه وقد أدركت بأنه ينبغي علي أن أنحاز لشاعريتي وأقاوم ،
ولا أعلم هل ستمضين أيضا مع من مضن إلى النسيان وابتعدن للأبد أم لا ،
لكنني آمل
كما يقول روسو برسالته لفولتير :“والأمل يجمّل كل شيء”.

ْعصام مطير البلوي

الرسمة الملحقة بالمقال للرسام البريطاني David A Parfitt

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments