موجز، الذات والشعر والآخر

التعبير في مجمله ، استنادٌ على ما تبقى من استقرار في ذاتك لمواجهة المنهار والمضطرب منك، فهو شكل من أشكال التمسك بالحياة ، ومحاولةٌ للتشافي السريع وتغيير نتيجة المعركة فنحن نعبّر لأن أرواحنا شفافة وتكره الأتربة.
حين قال محمود غنيم : 

ما لي وللنجم يرعاني وأرعاهُ ؟
أمسى كلانا يعافُ الغمضَ جفناهُ

كان يستند على المستقر في ذاته لمواجهة شعوره النفسي المضطرب ، وأما اختياره للنجم ، فهو اختيار تسبب في وجوده القلق واضمحلال اليقين ، وشعوره بالمحال وتحويل ذلك لتشكيل السؤال الاستنكاري عنهما، فهو والنجم ، في توازٍ ومخاوف وغموض وبينهما مسافة طويلة طويلة فكان النجم يشير لاستحالة المعرفة ودلالة على حيرة من الذات ،وحين قال : 

لي فيكَ ياليلُ آهاتٌ أردِّدُها…
أوَّاهُ لو أجْدت المحزونَ أواهُ !

فقد أراد توسيع دائرة التصوير الأدبي لأن شعوره أكبر من حصره بتساؤل ، وهي محاولة لتعظيم الذات (مبطنة)، السؤال الآن يقول :
لو كان محمود غنيم مضطربًا جدا بكل أجزاء ذاته ، هل سيعبّر ؟ 
طبعًا لا فالتعبير استناد على المستقر في مواجهة المضطرب ، وإن لم يكن بها مستقر فلن يعبّر ، وهذا يفسر لنا لماذا وقت المصيبة تكون الدموع وكلمة “آه” ، لكون الانهيار وقته شمل كل الذات ولأن “آه” بحرف جوفي وآخر حلقي، لا يحتاجان لوعي ، فهما أقرب لأصوات البهائم البدائية والحيوانات تتقدم بأصواتها بقيمة إدراكها للاستقرار والاضطراب ، وإن كان الكائن الحي بلا صوت فهو لأنه بلا وعي متقدم بالذات .
نعود لمحمود غنيم:

إنى تذكرتُ والذكرى مُؤَرِّقة
مجداً تليدا بأيدينا أضعناهُ
،
ويحَ العروبة ! كان الكونُ مسرحها
فأصبَحت تتوارى في زواياهُ

هذان البيتان وما يليهما من أبيات يكشفون لنا عن الاضطراب الذي شعر به الشاعر ، إنه اضطراب الهوية والشعور باحتقار الذات بسبب أمته ولكونه اضطرابًا يمس الهوية الفكرية والعرقية ، فقد جاء الشعر عنه متماسكًا متنوعًا فيه مهارة التصنيع الشعري عكس الاضطراب الذي مس الحارث بن عباد في مقتل ابنه بيد الزير سالم ، حين كرر :
“قرّبا مربط النعامة مني” 
في صدر أبيات كثيرة بقصيدته على غير عادة العرب في أشعارهم حيث منعه الألم والانهيار الذي مس معظم ذاته من التعبير الغني بتراكيبه فكانت قصيدته تعكس اضطرابًا شل الكثير من قدرات الشعر  لديه وجاءت أبياته دلالة على نوبات من فقدان الوعي ، فتكرار الشطر يشابه تكرار الـ آه ، التي تدل على انهيار لحظي للوعي ثم عودته إليه.
إن الذات الواعية بالشعر هي الذات الناظمة له ، ولكنها مع كل دفقة شعر تؤصل لنفسها وجودًا يتحقق بالشعر من خلال الآخر الذي يبرز وجوده وأهميته إما داخل النص وإما خارجه ، فالآخر آخران هذه المرة ، آخر يعمل بالنص ويحدد لنا مسارات المعاني وآخر يمثل المتلقي الذي هو بدوره يشكل وجودًا له بكونه يشترك باللغة وأيضًا مستقر النص النهائي .

لقد عُرف الشعر بأنه وسيلة من وسائل التواصل مع الآخر ، وما يكون عليه من انزياحات لغوية وإيقاعات موسيقية ، يدخل في إطار إثارة المشاعر عند الآخر وإيصال المعنى له لكنه وفق هذه النظرة ، يُعد ابتعادًا عن الذات أو تعيينًا لها بمقابل الآخر وإذا نظرنا للشعر بأنه تنفيس للمشاعر وتمضية للوقت فإننا كذلك قد وضعنا الآخر في سياق هذا التنفيس وتلك التمضية، إن كان موقفًا تقديريا للمرء في محاكمة ذاته أو تخلّصًا من عاطفة فائضة، إذ لا يمكننا فصل هويتنا عن المجتمع ومشاعرنا عن الآخرين في حياتنا حتى الإلهام جاء ليؤكد سعينا للغير.
يقول الشابي: 

وأَنا الَّذي سَكَنَ المدينَةَ مُكْرَهاً
ومشى إلى الآتي بقلبٍ دامِ
،
يُصغي إلى الدُّنيا السَّخيفَةِ راغماً
ويعيشُ مِثْلَ النَّاسِ بالأَوهامِ

تعريفه لهويته كان بتحديد موقفه من المحيط ، وتبيان ما ينتقد به الآخرين من خلال محاكمته لذاته هو والبيتان السابقان من قصيدة عظيمة لأبي القاسم الشابي ، يقول مطلعها 

وَأَوَدُّ أَنْ أَحيا بفِكْرَةِ شاعرٍ
فأَرى الوُجُودَ يضيقُ عَنْ أَحلامي
،
إلاَّ إِذا قَطَّعْتُ أَسبابي مع الدُّ
نيا وعِشْتُ لوَحْدتي وظَلامي

القصيدة تتناول الصراع بين نزعة الشعر/الفن وبين نزعة المجتمع والأسرة وقد ذكر في أبيات أخرى ، ما يمنعه من الوحدة والعيش بالطبيعة والامتزاج بجمالها  بعيدًا عن المدينة والناس ، إنها علاقاته الأسرية ، الشاعر هنا ينفّس عن صراعاته الوجدانية الفكرية ، والشعر في هذا التكوين مازال يكشف لنا عن سعي الشاعر نحو الآخرين وإن كان قد تمنى الابتعاد فإبراز نزعته الأسرية جاء من خلال تعظيم نزعته المتفاقمة نحو الطبيعة والشعر فهو حين قال :

في الغابِ في الجبلِ البعيدِ عن الورى
حيثُ الطَّبيعَةُ والجمالُ السَّامي
،
وأَعيشُ عِيشَةَ زاهدٍ متَنَسِّكٍ
مَا إنْ تُدَنِّسْهُ الحَيَاةُ بِذَامِ
،
تمشي حواليه الحَيَاةُ كأنَّها
الحلمُ الجميلُ خفيفَةَ الأَقدامِ
،
وَتَخرُّ أَمواجُ الزَّمانِ بهَيْبةٍ
قُدْسِيَّةٍ في يَمِّها المُتَرامي
،
فأَعيشُ في غابي حَياةً كُلُّها
للفنِّ للأحلامِ للإلهامِ

ذكر بعد هذه الأبيات ما يمنعه عن كل ذلك الذي يتمناه ويتخيله ، إنها أسرته:،

لكِنَّني لا أَستطيعُ فإنَّ لي
أُمًّا يَصُدُّ حَنَانُها أَوهامي
،
وصِغارُ إخوانٍ يَرَوْنَ سَلامَهُمْ
في الكَائِناتِ مُعَلَّقاً بسَلامي
،
فَقَدوا الأَبَ الحاني فكنتُ لضُعْفِ
هِمْ كهفاً يَصُدُّ غَوائلَ الأَيَّامِ

الشاعر هنا يكشف لنا عن هويته ومكانته الاجتماعية أيضًا ،لكنه حتى وإن كان قد كشف لنا عما بذاته من صراعات ، فهو قد ابتعد عنها ، ابتعد عن ذاته نحو الآخرين من خلال الشعر ،الابتعاد بمعنى جزئي طبعًا ، يخص وعيه وانتباهه لتكوين فيها يشده للأعمق فيفضل الهرب من الاضطراب بالاعتماد على المستقر بذاته ثم يجد بالشعر ما يسهّل له هذه المهمة ، الشاعر إذًا ليس قريبًا من ذاته بل في حالة هلع مستمر من اقترابها هي ، وحرصه هو على مسافة بينه وبينها تقيه منها وبهذا لم يكن الشعر يومًا أداة جيدة لفهم صاحبه ،  إذ يتضح لنا دومًا بأن النص الشعري مهما كانت جزالته وحضور المعاني فيه ، لا يمنحنا معرفة جيدة بذات صاحبه.
إن من مظاهر الوجود لذات الشاعر بالنص أيضًا مسألة صوته داخل النص ، بما يمكن أن أطلق عليه ثنائية الحضور والغياب ، ولتعريف هذه الثنائية أستعين بتعريف سارتر للغياب :

يمكن تعريف الغياب بأنه طريقة وجود الواقع-الإنساني بالنسبة إلى المحلات والمواقع التي حددها هو نفسه بحضوره.
سارتر
الكينونة والعدم

لقد قال ذلك سارتر بمجمل نقاشاته عن وجود الآخر في محاولة تفسير لماذا نقول غاب فلان عن المكان ولا نقول غابت علبة التبغ عن المكان ، وبالنسبة لي بنقاش حضور صوت الشاعر وغيابه في النص أجد التعريف يتناسب مع حالة الفقد التي نجدها باختفاء الشاعر وظهور غيره بالمشهد الشعري والموقف والصورة ثم عودته ومجيئه
يقول أبو ريشة:

نامَ عن كأسهِ وعن أحبابهِ
قبل أن ينقضي نهار شبابهِ
،
نام عن سكرة الحياة وقد جفَّ
شرابُ السلوان في أكوابِهِ

القصيدة في رثاء الموسيقار كميل شمبير صديق الشاعر ، وهي من قصائد الرثاء الجميلة ،نلاحظ بالمطلع أن الشاعر كان في لحظة غياب والنص اتجه نحو الشخص الموصوف ، وصوت الشاعر لا دلالة عليه إلا من خلال وعينا بكون النص قد كتبه ، لكن النص ذاته كثف وجود شخص آخر يصفه ويرثيه الشاعر ونحن بالبيتين السابقين نركز بخيالات تخص الموصوف لنتصور المشهد ، لكن الشاعر نفسه غير موجود ، إنه في لحظة الغياب وقد استمر الوصف عدة أبيات أخرى ومنها:

وبنات الغروب تسكب في أذنيهِ
أصداء عودِهِ وربابهِ

وفجأة حضر الشاعر بالنص وظهر صوته حين قال:

يا بنات الغروب قد نفض الليلُ
على الكون حالكاتِ نقابهِ
،
إحملي الراحل الغريب وسيري
بالزغاريد سلوةً لاغترابهِ

لقد حضر حين نادى وأمر وانتبهنا لوجوده أكثر
إن مستوى الظهور بالنداء والأمر هو من المستويات المنخفضة لحضور الشاعر ومركزيته بالنص ، فحين نادى انتبهنا له لكنه أعاد توجيهنا نحو المنادى فكانت حركته بالحضور والغياب السريع إيقاعًا فنحن تحركنا إليه ثم قام بإرجاعنا للآخرين بالنص ، مما منح توزيعًا شاعريًا في الوصف بحضوره وغيابه وبالنص السابق عاد الشاعر ليغيب ببقية النص لكنه ظهر نادرًا بعد ذلك حين قال بأحد الأبيات مثلًا:،

لستُ أنسى الناقوس لما نعاهُ
والمصلى يموج في أخبارهِ

تاء المتكلم من المستويات المرتفعة للحضور ، وهي تشدنا نحو الشاعر وتقربنا منه وتجعلنا نشعر بمشاعره وموقفه بدقة وأُلفة أشد ومستويات الحضور والغياب للشاعر في نصه متفاوته ولها أشكال مختلفة.
إيليا مثلا برثائه محمد عبده مفتي مصر، كان حاضرا حين قال:

هيهات بعدك ما يفيد التصبّرُ
ولئن أفاد فأيّ قلبٍ يصبرُ 

فحوى البيت يدفعنا مرغمين على تصور جزع الشاعر قبل أو مع جزع غيره وإن لم يستخدم ياء المتكلم أو أنا إلخ لكنه حضور متوسط في مستواه مقارنة ببيت مثل هذا :

أبكي عليك بأدمعٍ هطالةٍ
ولقد يقلّ لك النجيع الأحمرُ
،
وودتُ من شجوي عليك وحسرتي
لو أن لحدكَ في فؤادي يُحفرُ

بالبيتين السابقين كان حضور الشاعر في النص بأعلى المستويات ، وقد انتبهنا تماما لمشاعره وعشناها وإيليا تدرج بالحضور بنصه السابق، ثم غاب وكرس وجود ووصف الشيخ بعد ذلك :

مرِضَ الندى لما مرضتَ وكاد أن
يقضي من اليأس الملّمُ المُعسِرُ
،
وعلَت على تلك الوجوه سحابةٌ
كدراء لا تصفو ولا تستمطرُ
 

وقصيدته هذه بها توزيع شاعري جميل لحضور الشاعر وغيابه ، وهذا النوع من التوزيع يحتاج مهارة ولثنائية الحضور والغياب ، أنواع أخرى ، تخص المشهد والصورة وعناصر ذات علاقة ، وأما الزمان فقد احترت به فكأنه باقٍ هناك وكأنه مفقود للأبد.

يتضح أنه عادةً ما يكون حضور الشاعر  ذاتًا من خلال صوته بالنص لكن من الممكن أن يكون الآخر الموصوف هو تعبير عن ذات الشاعر التي من خلال ذاك (الآخر) تكشف لنا عن ذوقها واختياراتها وشخصيتها ووجودها وموقفها كذلك ، فالنصوص السابقة وإن كان الشاعر قد خرج من انتباهنا وتكاثف وجود الآخر فهو “آخر بالنسبة له” وهو من حدد ماهيته ونحن بكوننا واعين للشاعر أدركنا الآخر بالنسبة لنا وله من خلال ما يقوله الشاعر وكذلك تأكد وجود هذا الآخر بغياب صوت الشاعر تارة ثم عودته لكن هذا الشاعر غاب صوته هو في داخل المشهد وحضر تقييمه والنسبة إليه هو من خلال تبيان ووصف الآخر بنصه وهنا يبرز مستوى آخر في الوجود الشعري ألا وهو الأنا التي تعبر عن صاحبها بالنصوص بعيدًا عن المستوى الصوتي والبروز الشخصي اللغوي وشعورنا بالاقتراب والابتعاد من ذات الشاعر في تراكيب المشهد الخيالية بالنسبة للأشخاص والذوات التي يصفها ويكونها بنصوصه ، فالاتجاه الذي يخطه الشاعر عمومًا ، لا يخلو من نفسه ولا يخلو من الآخر على كل حال بالمستوى العميق ، فبأي نص بالشعر سنجد الاثنين معًا، أنا وما يشكله من وما حولي إلي ، أو ما أرتئيه وأتمناه ، مثلًا

يا ظبية البان ترعى في خمائلهِ
ليهنكِ اليوم أن القلب مرعاكِ
،
الماء عندك مبذول لشاربهِ
وليس يرويك إلا مدمعي الشاكي

الرضي

الشاعر يخاطب ويشير لذاته أيضًا وصوته ظاهر بالبيت السابق بالمقارنة بينه وبين الآخرين وكذلك علاقته بهم ، ولهذا كان وجوده لا يقوم إلا باستحضارهم كما يكون بالواقع وحين يغيب صوته كما تكلمنا سابقًا فهو موجود ضمنيًا بمستوى أعمق من المستوى الذي لاحظنا فيه ثنائية الحضور والغياب الشعرية

ما لي أنوحُ على البلاد كأنّما 
في كل أرض لي أخٌ أو منزلُ

،
إيليا أبو ماضي

ومن زاوية أخرى لمعنى أن أكون موجودًا في الكتابة تأتي الأنا إما ظاهرة وإما مضمرة بالنصوص عامةً ، ولكنها بالشعر أوضح ، لأن الشعر مسألة شخصية ، بدأت بشعور ذاتي لأحدنا وأكملها تبيانا وتعبيرًا عنه إزاء الآخرين فالشعر أخبرنا بوضوح أن “أنا” هي أنا بالتزامن مع ، لا حقيقة للأنا دون غيرها ولو رجعنا للغة لوجدناها ولِدت بتركيبة تفاعلية/تلقينية مع الآخر ، ثم أخذت الطابع الشخصي بعد ذلك لكنه شخصي “بالتزامن مع” ، وليس شخصي “بمعزل عن“.
يبدأ الطفل بنداء أمه أو أبيه قبل أن يقول أنا وهو حين يناديهما يحقق الأنا بدءًا من خلال ذلك ، أنا في قالب غيري ثم تتحول مع الكبر إلى “أنا بالتزامن مع” أما الشعر فهو إلى الآن داخل اللغة ، لم يخرج منها قط ، ولم يصل أو يحقق وضعية أنا بالتزامن مع ،فأقصى ما يحققه الشعر لذاته هو أقصى ما يحققه الطفل في بدايات عمره أو الإنسان الحبيس بالطبيعة إذ لا يستطيع ملامسة ما هو خارجها ويظل مقيدًا بالاحتمال ، عاكسًا له ، طفلًا للأبد وبالنسبة للقابعين خارج اللغة ، هو سياق مفتوح للاحتمالات فعالم الكلمة لن يكون عالم الشعور ، 
وإن الشاعر حين يكتب وإن كان قد حقق لذاته “أنا بالتزامن مع” لكنه لم يستطع للآن أن يمنح الشعر تحقيقًا لهذا المحال ، فيتنوع ويتطور ويستخدم كافة الأساليب ، لكنه لن يصل ، بيد أن ذلك للشعر ديمومة 🌟

عصام مطير

الرسمة الملحقة للرسام الفرنسي كلاود مونيه

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments