هذا الاقتباس من مقدمة «فيدون»، محاورات أفلاطون - جمع بنيامين جويت ترجمة زكي نجيب محمود :
سؤالًا ألقاه «سيبيس» يسأل سقراط عن العلة التي دفعته إلى قرض الشعر في السجن — إذ كان يحاول أن ينظُمَ قصص «إيسوب» شعرًا — مع أنَّه لم يكن شاعرًا،
فأجاب سقراط بأنه إنما لجأ إلى ذلك؛
لأنه أُنذر مرات عدة في أحلامه بوجوب ممارسته الموسيقى، ولما كان حينئذٍ يدنو من الموت أراد أن يتحوط لنفسه فينفذ إرادة النذير الذي أهاب به في رؤاه تنفيذًا حرفيًّا من ناحية، وروحيًّا من ناحية أخرى، بنظمه للشعر وبتعلمه للفلسفة، ويستطرد سقراط في الحديث فيذكر الموت والرغبة فيه مع تحريم الانتحار لعدم شرعيته، فيسأل «سيبيس» لماذا يكون الانتحار في رأي الناس خطيئة إذا كان الموت خيرًا؟ فيجيبه سقراط: بأن الإنسان سجين لا يجوز له شرعًا أن يفتح باب سجنه بنفسه ليفرَّ هاربًا، وثانيًا لأن الإنسان ليس مِلكًا لنفسه، ولكنه مِلك للآلهة؛ فليس له الحق إذن في أن يتصرف فيما ليس ملكًا له.
فيسأل «سيبيس» قائلًا:
لماذا يرغب الإنسان في الموت ما دام ملكًا للآلهة مع أنَّه بذلك سيغادر أصدقاءه (هو هنا يعرِّض بسقراط)
فيقول سقراط:
إنَّ الإنسان يرغب في الموت؛ لأنه سيكون في حماية الآلهة، وهو من غير شك لا يستطيع أن يُعنَى بنفسه كما تُعنَى به الآلهة …ثم يستطرد سقراط فيقول: إنَّ الفيلسوف يُريد الموت، ولكن ليس معنى الموت الذي يريده الفيلسوف هو ما يفهمه الناس؛
فما معناه إذن؟ الموت هو انفصال الروح عن الجسد، والفيلسوف يريد هذا النوع من الانفصال؛
لأنه يودُّ أن يتحرر من عالم اللذة الجسدية ومن الحواس التي تشوش التفكير العقلي.إنَّ الفيلسوف يُريد أن يتخلص من عينيه وأذنيه؛
ليشهد الحقيقة بضوء العقل وحده؛ فكل ما يصيب الناس من شر، وكل ما ينغمسون فيه من أسباب الفجور وألوان الرغبة إنَّما مصدره الجسد،
والموت هو الذي ينجيه من تلك المفاسد التي يستطيع وهو حي أن يتخلص منها،فإذا كان الفيلسوف يريد هذا الانفصال ويتمناه فهل يندم إذا حانت ساعته؟ إذا كان ميِّتًا في حياته، فلماذا يخشى هذا النوع الثاني من الموت مع أنه وحده السبيل إلى مشاهدة الحكمة في صفائها؟
المحاورة ذاتها طويلة وما سبق كان تلخيصا قيّما قام به بنيامين جوديث، لكن لدي تعليق على ترجمة زكي نجيب محمود لمحاورة فيدون هذه بكتاب محاورات أفلاطون حيث استخدم المترجم كلمة "علّيين" في نص الحوار الأفلاطوني الذي لم يكن أبدًا حوارا إسلاميا وقد خلط المترجم هذا المصطلح الإسلامي القرآني بمعنى أاراده أفلاطون عن مكان مرتفع ..
بل اعتمد على الترجمة الإنجليزية الكلاسيكية الشهيرة التي أنجزها الفيلسوف بنيامين جويت، وللأسف هذا الخلط بين مصطلح إسلامي وآخر يوناني وإن كانا قد تشاركا بمعنى العلو إلا أنهما مختلفان من حيث المرجعيات،
فالقرآن لا شك أنه أصدق وأدق ومصطلحاته خاصة لا يصح دمجها بمفاهيم فلسفية اجتهادية هي ذاتها جاءت من ديانات مختلفة بعض الشيء، وقد اختلف أفلاطون نفسه مع هذه الديانات حين جعل الفلسفة وسيلة للخلاص والتطهر، وإن كان يرى الفضائل وفق نظرته..
وكان الأجدى بالمترجم الالتزام بالترجمة الحرفية بعيدا عن هذا الإسقاط الاصطلاحي الذي أراد به نفي أو تقليل الغربة والغرابة المعرفية لأنه بهذه الترجمة

