قراءاتقراءات فلسفية

أفلاطون والشعر والشعراء

رأى أفلاطون بكتابه الجمهورية، أن الشعر اعتمادًا على مسألة المحاكاة، ابتعادٌ عن الحقيقة بمقدار درجتين1، فعالم المُثِل لديه هو عالم الفكرة الكاملة، حيث أن المُثُل هي حقائق/ماهيات موضوعية قائمة بذاتها، في حين الطبيعة هي محاكاةٌ لها، ابتعدت مقدار درجة عن الحقيقة تلك، أما الفن فهو محاكاة المحاكاة، وابتعاد الفنان (الرسام والشاعر) عن الحقيقة بهذه المسافة (درجتين) تجعله مطرودًا عند أفلاطون من مدينته الفاضلة، وبهذا فقد جعل الرسم والشعر بمستوى واحد في المحاكاة بقوله على لسان سقراط بالكتاب العاشر:

”(٦٠١) – وإذن فهلا يحق لنا أن نستدل من ذلك على أن كل أولئك الشعراء، منذ أيام هوميروس، إنما هم مقلدون فحسب؛ فهم يحاكون صور الفضيلة وما شابهها، أو الحقيقة ذاتها فلا يصلون إليها قط؟ إن الشاعر كالرسام الذي تحدثنا عنه منذ برهة، والذي يرسم إسكافيًّا دون أن يعرف شيئًا عن إصلاح الأحذية، ويقدم صورته إلى أناسٍ لا يعرفون عن الأمر أكثر منه، ولا يحكمون على الأمور إلا بمظاهرها وألوانها

– هذا صحيح كل الصحة.

– وبالمثل فإن الشاعر يُضفي بكلماته وجمله على كل فن ألوانًا تلائمه، دون أن يفهم من طبيعة ذلك الفن إلا ما يكفي لمحاكاته، ويؤثر في أناس لا يقلون عنه جهلًا، ولا يحكمون إلا بصورة التعبير، فيدفعهم السحر الكامن في الوزن والإيقاع إلى الاعتقاد بأنه قد حدثهم حديثًا خلابًا عن القيادة الحربية أو صناعة الأحذية أو أي موضوع فني آخر. فإذا ما نزعت عن الشعر قالبه الشعري، فلا شك أنك تستطيع أن تراه على حقيقته عندما يتحول إلى نثر.“2

ما تقدم به أفلاطون يحتاج تفصيلًا وتفكيكًا ناقدًا فالمحاكاة بالشعر ليست بالدرجة نفسها في الرسم كما نعلم، فالشعر أيضًا يحمل أداة معرفية ذاتية خاصة بالشاعر في فهم العالم وتحقيق موقف آخر منه عبر هذا النظم والتوغل المزامن في الذات الشعرية للتعبير وتأكيد المعنى الذي يمثل الشاعر حال الإلهام وهو أي الشاعر يستخدم الصور والقصصية (السرد) للتأثير ليس فقط على المتلقي بل ينبغي النظر بأنه هو أول المتأثرين، إنّه المتلقي الأول لما اكتشفه في أعماقه وعلاقته مع الوجود في خضم ولادة النص الشعري، بيد أنَّ هذا أيضًا لقيَ عند أفلاطون هجمةً ضده فالشاعر لدى أفلاطون لا يُدرك الا الظاهر لا الحقيقة، متجاهلًا حالة التفكر والانكشاف المعرفي الذي قد يجده الشاعر مهمًا له في رحلة الحياة، لكن أفلاطون نظر إليه نظرةً تقيُّمه بمهارات المعرفة الواقعية في مجال العمل الحِرَفي، لأنَّ هذا المجال الاجتماعي ونفعيُّته هو ما يحققُ السعادةَ أو الحكمة من الوجود والصواب إلخ.
رأى أفلاطونُ الشاعرَ مُقلِّدًا ليس لديه معرفةٌ تخص الأشياء التي يذكرها في شعره حاله حال الرسام الذي يرسمُ الناي مثلًا لكنّهُ لا يعرف كيف يصنعه وكيف يستعمله فالرسام مُقِّلدٌ فقط، وقد ظهر أنَّ أفلاطون اتجه بالجمال للنفعية والأداتية في جانب الواقع وألزمه الصواب والأخلاق في جانب الأفكار وقد تجاهل الجانب الذي يخص الإحياء العاطفي والانفعالي، وتهدئة الذات عبر الغناء مثلا، وما يصنعه الشعر نفسه للشاعر من إدراك الوجود وتحقيق الثبات، بل حتى على مستوى اجتماعي، وإن كان الشاعر ليس حِرَفيًا ولا علاقة له بالمهارات الصناعية ، هناك تأثير الشعور بالحياة، فلا يمكن نفي الجمال الحسي لكوننا نري الجمال العقلي أكمل أو أصح لأن الجمال بالأساس ظاهرة تراكمية تبدأ بالحس أولًا، وهذا الانطباع للترنم واللغة لها مهمتها الجمالية، ونرى أنَّ أفلاطون في محاورته تلك قد اعترف بسحر الوزن والإيقاع لكن تركيزه كلها كان بأنَّ هذا يخدعنا ويجعلنا نعتقد بأنَّ الشاعر يعرف ما يتحدث عنه وهو جاهل بهذه المعاني التي يستخدمها مثلا شعره عن الحرب؟3،،
أفلاطون يضع الشعر على مقياس المعرفة التجريبية، بخضم حواره يُبرز كيف أنَّ مستخدم الناي على سبيل المثال هو وحده من يستطيع إخبار صانع الناي بعيوبه ومزاياه، أما المقلد/المحاكي كالشاعر أو الرسام مثلا فهو ينظم شعرًا عن الناي أو بالنسبة للرسام يرسمه لكن لا أحد منهما يقدم معرفةً عنه في تقييم مزاياه وعيوبه بالاستعمال وطريقة الاستخدام إلخ4.

الشعراء والانفعال والحقيقة..

لم يتوقف أفلاطون عند ذاك الحد من النقد بجهل الشاعر بل اتجه لما هو أعمق إذ ربط التاثر الذي نجده من الرسم بنفوسنا يخص الجزء النفسي الأبعد فينا عن الحكمة ويشرح ذلك في حوار سقراط مع   :


”سأضرب لك مثلًا يوضح ذلك: إن الشيء لا يبدو عن بُعد بنفس الحجم الذي يبدو به عن قرب. أليس كذلك؟
– بلى.

– كما أن نفس الشيء الذي يكون مستقيمًا خارج الماء، يبدو منكسرًا داخله. كذلك فإن الشيء يبدو مُحدَّبًا أو مُقعَّرًا، تبعًا للخداع البصري الذي تُحدِثه الألوان. وهكذا فإن كل خلط كهذا إنما يوجد في نفوسنا. وهذا الضعف في طبيعتنا هو الذي يستغله الرسم بالضوء والظل وغيره من أنواع الخداع البارعة التي يكون لها في نفسنا تأثير أشبه بتأثير السحر.
– هذا صحيح.

– ولكن ألم يُكتشف علاج لتبديد هذا الخداع، يتمثل في القياس والعد والوزن؟ ألا يؤدي هذا العلاج إلى تخليصنا من سيطرة فروق الظاهرية في الحجم والكم والوزن، بحيث تصبح السيطرة للملكة التي قامت بالعد والقياس والوزن؟
– بالتأكيد.

– وهذا العمل يقوم به العنصر الحاسب أو العاقل في نفسنا؟
– قطعًا.“5

يبيّن بعد ذلك أفلاطون أن الحكم الصحيح على الأشياء والظواهر جاء من العقل/ الملكة التي تحكم بالقياس التي يعتبرها الجزء الأفضل في النفس وأن الجزء الخسيس بالنفس الذي لم يحكّم القياس هو المعنيُّ بالرسم لأنه يتأثر به وينخدع، وهو الذي يستغله الرسام بالضوء والظل وغيره من أنواع الخداع البارعة التي يكون لها في نفسنا تأثير أشبه بتأثير السحر. وبالتالي فهو لا يستهدف غرضًا شريفًا أو صحيحًا،
ثم يتجه أفلاطون بسقراط نحو أنَّ الشعر مثل الرسم بما سبق فهو محاكاةٌ موجهة إلى الأُذن لكنها عنده وفق تأثيرها أخطر حيث يدفع الشِّعر نحو اشعال الحزن والتوقف عن إقصائه، فهو يخاطب الخُلُق الحزون لا الخلُق الحكيم، ويغذّي البكاء لا الشفاء من النوائب وهو بهذا إذن لا يخاطب الجزء العاقل الفاضل بل الخسيس من النفس ويبرر بذلك بعد حوار طويل بين سقراط وغلاكون طرد الشعراء حالهم حال الرسامين :

”فإن من حقنا أن نهاجمه الآن ونضعه إلى جانب نظيره الرسام؛ ذلك لأنه يشبهه في افتقار إنتاجه إلى الحقيقة، وفي إهابته بذلك الجزء من النفس الذي هو خسيس بدوره، وابتعاده عن الجزء الفاضل منها. هذا هو السبب الأول الذي يبرر لنا حظر دخوله الدولة التي يحكمها قانون صالح؛ لأنه يثير هذا الجزء الخسيس في النفس ويغذيه، وبذلك يعرض العقل ذاته للدماء، وكما يحدث في الدولة عندما تسلم مقاليد أمورها وسلطاتها للأشرار ويُقضى فيها على الصالحين، فكذلك يبث الشاعر المقلد في نفس الفرد حُكمًا فاسدًا؛ إذ يتملق الجزء اللاعاقل، الذي لا يميز الفاضل من الرديء، ويعد الأشياء ذاتها أفضل تارة وأردأ تارة أخرى، ويخلق أشباحًا ويقف دائمًا بعيدًا كل البعد عن الحقيقة.“6

لم يتوقف أفلاطون عند ذلك النقد للمحاكاة وتأثيرها النفسي علينا وكيف أّنها تخاطب الجزء الضعيف في طبيعتنا التي سرعان ما تنخدع بالمظهر بل تجاوز ذلك بالقول بأن الشعر يغذي الانفعال بدلًا من أن يضعفه، ويجعل له الغلبة، فالعاقل يقمع رغبته بالضحك حتى لا يقال عنه مهرّج، وهو أيضًا حال الحزن يتمسك بالصبر لا الدموع7.
يطرح أفلاطون بهذا ما عُرِف بعد ذلك بـ “مفارقة التراجيديا” (The Paradox of Tragedy).
فالرجل الفاضل في حياته الواقعية يتدرب على كبح جماح حزنه عند المصائب، معتصمًا بالصبر والسكينة، لأن العقل والقانون (Logos and Nomos) يفرضان ذلك باعتباره السلوك اللائق للرجال (Manly behavior)،
 ومع ذلك، عندما يجلس نفس هذا الرجل الفاضل في المسرح ليستمع إلى هوميروس أو شعراء التراجيديا، فإنه يتخلى عن حراسته العقلية، ويستسلم للذة التعاطف، ويسمح لنفسه بالبكاء والنحيب مع البطل المسرحي.
الخطورة هنا، هي أن الجزء الأدنى من النفس، الذي يتم قمعه في الواقع، يُغذّى ويُسقى في المسرح.
هذه “المفارقة” عند أفلاطون لا تتطلب حلا جماليًا، بل تتطلب موقفًا إقصائيا (الطرد للشعراء))، لأن الاستمتاع بالألم الخيالي يضعف قدرة الإنسان على التحمل العقلاني للألم الحقيقي في الحياة، هذه الرؤية بالطبع اختلف معها أرسطو إذ نظر إليها طريقةً للتطهر وله في ذلك جدل وشرح بكتابه فن الشعر فبينما رأى أفلاطون أن التراجيديا “تغذي” المشاعر السلبية، اعتبر أرسطو أن استثارة الشفقة والخوف في المسرح تؤدي إلى تنفيسها وتطهير النفس منها8، مما يعيد للنفس توازنها الانفعالي والأخلاقي.
وبالقرون الأخيرة ناقش ديفيد هيوم هذه المفارقة كذلك من ناحية جمالية9، وامتدت الحوارات عنها ليومنا هذا في جوانب جمالية وسيكولوجية مرورًا بشوبنهاور الذي رأى بالتراجيديا انتصارا للمعرفة على الإرادة العمياء:

“إن متعتنا في التراجيديا لا تنتمي إلى الإحساس بالجميل، بل إلى الإحساس بالجلال؛ بل إنها الدرجة القصوى من هذا الشعور. فكما أننا عند رؤية الجلال في الطبيعة نصرف النظر عن مصالح الإرادة لكي نصبح متأملين خالصين، فكذلك في الكارثة التراجيدية ننصرف حتى عن إرادة الحياة نفسها. ففي التراجيديا يُعرض أمامنا الجانب المروع من الحياة، ونواح البشرية، وسيطرة الصدفة والخطأ، وسقوط العادل، وانتصار الشرير؛ وهكذا يُجلب أمام أعيننا ذلك الجانب من العالم الذي يتعارض تعارضاً مباشراً مع إرادتنا.”10

سنلاحظ في موضوع التراجيديا تفاوت المواقف منذ أفلاطون إلى اليوم، ومن الآراء الجديرة بالذكر هو رأي الفيلسوفة مارثا نوسباوم (Martha Nussbaum) في دراستها لهشاشة الخير بكتابها هشاشة الخير، حيث ترى أن هجوم أفلاطون على التراجيديا هو في جوهره هجوم على “الاعتمادية”؛ فالتراجيديا تُعلّم الإنسان أن سعادته تعتمد على حظوظ خارجية، بينما الفلسفة الأفلاطونية تسعى لاكتفاء الذات (Autarkeia)11، وبهذا فإن الموقف الإقصائي لأفلاطون من التراجيديا وجد من يؤيده عبر هذا التفسير الذي قدمته الفيلسوفة مارثا نوسباوم.

تقول مارثا:


”إن بحث أفلاطون الفلسفي عن حياة خيرة تكتفي بذاتها هو بحث مدفوع بإحساس عميق بهذه المشاكل نفسها. فبعيدًا عن كونه قد نسي ما تصفه التراجيديا، فإنه يرى مشاكل الانكشاف [التعرض للحظوظ الخارجية] بوضوح شديد لدرجة أن حلاً جذرياً فقط هو ما يبدو ملائماً لعمقها. وهو ليس ساذجاً بشأن تكاليف هذا الحل. سأجادل بأنه في محاورات مثل بروتاغوراس والمأدبة يعترف بأن تحقيق الاكتفاء الذاتي سيتطلب التخلي عن الكثير من الحياة الإنسانية وجمالها…”12

وبعيدا عن جدل التراجيديا، من الممكن الآن بعد هذه القراءة أن أقسّم هجمة أفلاطون على الشعر بكتابه الجمهورية وخصوصا الكتاب العاشر إلى هذه المستويات والحجج والزوايا : الأثر المعرفي ، الشاعر جاهل.
الأثر النفسي ، الشاعر مدمر.
والحكم إذن طرد الشعر والشعراء باستثناء الشعر الذي يُعلي من شأن العقل وينشد أناشيد للآلهة والأخيار، دون استدرار للعواطف والانفعالات.

الإلهام ورواة الشعر ونقّاده عند افلاطون…

من اعتقد أنَّ أفلاطون هاجم الشعر والشعراء في تأثيرهم وأثرهم الاجتماعي فقط فقد أخطأ، إذ أنَّ انتقادات أفلاطون مسّت أيضًا محبي الشعر ومتلقِّيه، ورواته ونقّاده كذلك، ولو قرأنا محاورة فيدروس مثلًا بمعزلٍ عن بقية محاورات أفلاطون لظننّاه قد مجّد الشعراء بهذا الإلهام الذي تحدث عنه في محاورة فيدروس قائلا:

النوع الثالث هو ضربٌ من الجنون يتمثّل في استحواذِ ربّاتِ الفنون (Muses) على النفس؛ إذ يتلبّسُ نفسًا بِكرًا رقيقةً فيوقظُها، باعثًا فيها هياجًا باخوسيًّا (Bacchic) من الأناشيد والأشعار التي تُمجِّدُ أمجادَ الأسلاف وتنقلُ عِبَرَها إلى الأجيالِ اللاحقة. فأيُّ امرئٍ يَفِدُ إلى أبوابِ الشِّعرِ مُتوهِّمًا أنَّ تَمكُّنَهُ من المعرفةِ الفنيّةِ المتخصِّصةِ كفيلٌ وحدَهُ بأن يجعلَ منه شاعرًا مقتدرًا، دونَ أن يمسَّهُ جنونُ ربّاتِ الفنون، فإنّ مصيرَهُ الإخفاقُ، وستنطفئُ أشعارُهُ المحكومةُ بضبطِ النفسِ أمامَ شعرِ أولئكَ الذينَ سُلِبَت عقولُهم.
13

لكن هذا الإلهام القادم من ربات الشعر الذي يُفقد الشعراء عقولهم يجعلهم بمصاف العرافين وزاجري الطير، إنّهُ إلهامٌ لا يمكن عقلنته وتحويله لفكرٍ وقواعد، ولفهم هذا الجانب نعود إلى محاورة ”إيون“ التي شنَّ بها أفلاطون نقدًا لاذعًا على راوية الشعر (إيون) الذي زعم معرفته الشعرية بالشعراء، لينتقده أفلاطون بلسان سقراط مبيّنًا أنَّهُ لا يعرف شيئًا وأنَّهُ حاله حال الشاعر جاهلٌ بحرفة من يتكلّمُ عنهم الشعراء وأنَّ ”هوميروس“ لم يكن قائدًا عسكريًا ولا يمكن أن يكون.
يأتي هذا النقد لراوية الشعر ومؤديه متناسبًا مع موقف أفلاطون بالجمهورية من الشعر، لكن الجديد في ”محاورة إيون“ حين نطلُّعُ عليها هو استحالة النقد الأدبي في تفضيل شاعرٍ على شاعر لأن الذي يحدث ببساطة حسب أفلاطون هو أثر المغناطيس القادم من الإلهام الذي تسبَّبَت به ربّات الفنون/آلهة الشعر14 فهذا الإلهام يعمل كالمغناطيس يؤثر بالشاعر ليقول بلا عقلٍ شعره، ويمتد هذا الجذب لرواة الشعر الذين هم حلقة وسيطة أخرى تؤثر على المتلقين، ولا يوجد قدرة عقلية ناقدة للتمييز بين شاعر وآخر لأن الموضوع مرتبط بهذا الإلهام :

يستمد الإلهام من أورفيوس، الآخرون من ميوسايوس؛ لكنّ العدد الكبير منهم يُمسَك ويُمَسُّ بهوميروس، وأنت واحد منهم، يا إيون، الممسوس بهوميروس. وعندما يردِّد أيُّ شخص كلمات الشعراء الأخرى تُصابُ
بالنّعاس، ولا تعرف ما تقول؛ لكن عندما يتلو أيٌّ شخص مقطعاً من شعر هوميروس تستيقظ بلحظة، وتقفز روحك بداخلك، ولديك الكثير الذي ستقوله،

لأنّك لا تقول ما تقوله عن هوميروس بفنٍ أو معرفة بل بمسّ وإلهام إلهي؛ تماماً مثل المستمتعين الكوريبانتيين الذين يمتلكون أيضاً تصوّراً للمقاطع الشعرية التي تناسب اللّٰه فقط والتي يُمشُون هم بها. ولديهم الكثير من الكلمات والرقص لذلك، غير أنّهم لا يبدون اهتماماً بغيرها. وأنت، يا إيون، عندما يُذكر اسم هوميروس فلديك الكثير لتقوله، لكنك لا تمتلك شيئاً لتقوله عن الآخرين. تسأل أنت، ( يمَ هذا؟ )) والجواب هو أنّ براعتك في ثناء هوميروس لا تأتي من الفنّ بل من
إلهام إلهي.15

اعتبر أفلاطون أنَّ هذا الراوية للشعر (إيون) جاهل حاله حال الشاعر، وأما القول بوجود نقد يمتلكه خبير بالشعر لا يمكن تحققه لأن الشعر بالأصل مسألة إلهام، وفي هذا الصدد لم يكن الإلهام هنا مديحا للشعراء بل إبراز لحالة تلقي سلبية لا عقل فيها ولا تصح لتكون وسيلة للمعرفة وهي بعيدة عن الصواب،  متفقا في ذلك مع ما نشره موريس بارتي بورقته التي سنتناولها لاحقًا..

محاورة إيون، بقراءة فرانكو تريفينو…

الجدير بالذكر في خضم عرضنا لمواقف أفلاطون من الشعر والشعراء هو ما كتبه الفيلسوف فرانكو تريفينو .. (Franco V. Trivigno)
في كتابه الصادر عام 2020 بعنوان “أفلاطون: أيون، الشعر، والخبرة، والإلهام” (Plato’s Ion: Poetry, Expertise, and Inspiration)، حيث نشر فيه قراءة أخرى، تهدف إلى إنقاذ محاورة “أيون” وأفلاطون عموماً من تهمة كراهية الفن المطلقة، وإعادة توجيه التركيز نحو جمهور المتلقين،

فإذا كان إيون قد قدم نموذج الخبرة بكون الشاعر عارفًا وهو ما انتقده أفلاطون بتقديم نموذج معاكس له عبر الحديث عن نموذج الإلهام الذي يجعل الشاعر مجرد وسيط جاهل، وبالتالي لا يمكن أن يكون مصدرًا للمعرفة الصائبة، فإن ”فرانك تريفينو“ يقترح وجود نموذج ثالث مستشف من حوارات أفلاطون ألا وهو نموذج المشاركة النقدية (The Critical Engagement Model)16

يستنتج ”تريفينو“، بناءً على رفض النموذجين السلبيين، أنَّ أفلاطون يدعو ضمناً إلى “نموذج المشاركة النقدية“ بدلاً من الإيمان الأعمى بخبرة الشاعر الوهمية، أو الاستسلام للتخدير العاطفي للإلهام، يجب على الجمهور أن يتعامل مع الشعر كمادة قابلة للنقاش والتحليل الفلسفي الجدلي.

وفقًا لتريفينو، يترك أفلاطون الباب مفتوحًا لاحتمالية أن يحتوي الشعر على “بعض الحقائق”، ولكن لا يمكن استخراج هذه الحقائق إلا إذا توقف الجمهور عن اعتبار الشعراء “سلطات معرفية مقدسة” (Authoritative Experts)، وبدأ في إخضاع النص الشعري للمحاكمة العقلية..

هذا الرأي رغم جمالية طرحه وكونه تأويلا مستساغا، لا يمكنه عبور جمهورية أفلاطون التي حدد بها موقفه تماما من الشعراء وطردهم لا المشاركة النقدية ونزع القداسة، وهو ما قد أبداه أفلاطون بمناورة المناظرة مع المدافعين عن الشعر إن كانوا يستطيعون مقارعة حجج أفلاطون السابقة :

”– كما أننا سنسمح لأنصاره الذين يحبون الشعر وإن لم يكونوا شعراء، بالدفاع عنه نثرًا، ليثبتوا لنا أنه لا يقتصر على بعث الشرور في النفوس، بل إنه من المفيد لنا أن يثبتوا أنه يجمع بين بعث السرور في النفوس، وبين الفائدة العملية.
– هذا أمر لا شك فيه، فنحن سنكون الرابحين.
(٦٠٨) – أما إذا لم يستطيعوا إثبات ذلك، أيها الصديق العزيز، فسوف نفعل كالمحبين الذين يعلمون أن حبهم لا فائدة منه، فيفترقون رغمًا عنهم، ولكنهم يفترقون على أية حال. فنحن بدورنا نحب الشعر على هذا النحو، وهو حب ولدته فينا النُّظم السائدة بيننا، ونحن على استعداد تام للاعتراف بفضله وباقترابه من الحقيقة، ولكنه ما دام عاجزًا عن تبرير نفسه أمامنا، فسوف نردد، كلما استمعنا إليه، تلك الحجج التي ذكرناها من قبل حتى نتخذها تعويذة ضد سحره، ونتجنب العودة إلى ذلك الانفعال الذي كان يخلب ألبابنا في صبانا، والذي يعجز معظم الناس عن التخلص منه، وهكذا سنردد أن مثل هذا الشعر لا يستحق أن يُعَد مقتربًا من الحقيقة، وليس جديرًا بحماستنا، وإنما ينبغي ونحن نستمع إليه أن نحذره، وأن نخشى على النظام المستتب في نفوسنا،
وأن نتوخَّى أخيرًا مراعاة ما قلناه عن الشعر.“17

رأي فرانكو تريفينو، مستشف من قراءة المحاورات فيما هي جزء من حرية الحوار، وبالتالي فإن ما قدمه ترفينو بنموذج المشاركة النقدية، يعتمد على أن المقصود من هذه المحاورات بالأساس هو وضع الشعر في محل نقدي لتبيان ما فيه، وهذا النموذج يعتمد على:
١. إمكانية وجود حقيقة مُلهمة في الشعر: إذ لا يستبعد “تريفينو” أن يحتوي الشعر على بعض الحقائق المهمة التي ألهمتها الآلهة للشعراء، لكن هذا لا يعني إطلاقاً أن الشعراء خبراء أو أنهم يمتلكون سلطة معرفية موثوقة يفهمونها عقلانياً.
٢.رفض التلقي السلبي: الخطأ الأكبر الذي يقع فيه الرابسودي (مثل أيون) والجمهور هو التلقي السلبي (Passive reception) والانقياد العاطفي الأعمى للنص الشعري.
٣. التعامل مع الشعر كـ “لغز”: يرى تريفينيو أن الطريقة الصحيحة للاستفادة من الشعر هي التعامل مع العبارات الشعرية باعتبارها مادة خاما أو “ألغازاً” (Riddles) تحتاج إلى بحث وتحليل. لا يقدم الشعر معرفة جاهزة، بل يتطلب من المتلقي إخضاع هذه الادعاءات الشعرية للتمحيص والاختبار العقلاني لاستخراج الحقيقة الكامنة فيها.18

هذا الرأي أيضًا أجده قد تجاهل موقف أفلاطون من النقد الأدبي التفاضلي، أو ما يعرف بالموازنة بين الشعراء، في تاريخ الأدب عند العرب، وهو يصب بالتفضيل بين شاعر وآخر وفق معايير فنية، وهذه بالضبط ما انتقدها أفلاطون على لسان سقراط في محاورة إيون، فسقراط يجادله بأنه لم يفضل هوميروس على غيره لأسباب تقنية ومهارات فنية يفهمها بل لكونه ممسوس بهوميروس، وأنه تحت تأثير الإلهام الذي يدفع لمثل هذه التفضيلات.
هذا الجانب يقف عائقا في وجه الرؤية الجديدة التي يقدمها ”تريفينو“، بالإضافة للعائق الأهم ألا وهو موقف أفلاطون بالجمهورية الذي شرحته سابقًا في نقاش سقراط حيث أن قبول الدفاع عن الشعر كان يقصد به جدلا استحالة مهاجمة الحجج الصارمة التي قدمها ضد الشعر والشعراء، لذلك فحكمه حتمي بطرد الشعراء من الجمهورية، وبرغم وجود هذين العائقين تظل آراء “تريفينو” تمثّلُ بالمناسبة رؤيةً قابلةً للتطوير.

ماذا عن الإلهام بين الشاعر والفيلسوف بنظر أفلاطون؟

يفسر “موريس هنري بارتي” الفرق بين الإلهام السلبي والإلهام التصاعدي (أو الطموح) عند أفلاطون بوصفهما نظريتين متمايزتين للإلهام تظهران في محاورات مختلفة، وتختلفان جذرياً في طبيعة استجابة الفرد، واتجاه الحركة الروحية، والغاية المعرفية منها. وقد فصّل بارتي هذا الاختلاف على النحو التالي:

أولاً: الإلهام السلبي (Passive Inspiration)

  • السياق الفلسفي: يبرز هذا النوع من الإلهام بوضوح في محاورات مثل “أيون” (Ion)، و”الدفاع” (Apology)، والكتاب الرابع من “القوانين” (Laws).
  • سلبية الفرد المطلقة: في هذا النموذج، يُنظر إلى الشاعر على أنه مجرد أداة سلبية أو وسيط خاضع تماماً لآلهة الإلهام (الميوزات). لا يقوم الشاعر بأي جهد شخصي أو فكري، ولا تساهم هذه التجربة في ارتقاء روحه أو تطوير ذاته، بل تستحوذ عليه الآلهة وتلغي وعيه.
    الجمود المعرفي: يصف بارتي الشاعر المُلهَم هنا بأنه يعيش حالة من النشوة الثابتة أو “الجامدة” (statically in his rapture)، فهو لا يمتلك أي صلة شخصية بالمعرفة، ولا يُتوقع منه السعي نحو فهم الحقائق.
  • اتجاه الحركة (تنازلي): في هذا النوع من الإلهام، تتحرك القوة الإلهية من الأعلى إلى الأسفل؛ حيث ينحدر الإلهام الدنيوي من الآلهة ليستقر في الشاعر، ومنه ينتقل إلى المنشد (الرابسودي)، لينتهي به المطاف كأثر يبهر الجمهور في العالم الأرضي.
  • الطابع الاجتماعي والجماهيري: الإلهام السلبي له طبيعة اجتماعية وعلنية بالأساس. فبدلاً من أن يكون تجربة للسمو الشخصي، يُستخدم هذا المس التخديري لإثارة عواطف حشود الجماهير وإلهاب حماسهم.19

ثانياً: الإلهام التصاعدي أو الطموح (Aspirational Inspiration)

  • السياق الفلسفي: يتجلى هذا النموذج بشكل أساسي في محاورتي “المأدبة” (Symposium) و”فايدروس” (Phaedrus).
  • الفاعلية والطموح الروحي: لا يظهر الإنسان (الفيلسوف أو محب الحكمة والجمال) ككائن مسلوب الإرادة، بل كـ “روح تطمح” (aspiring soul) ومفعمة بحب الحكمة، تتحرك بصمت وبشكل فردي للارتقاء نحو الإلهي.
  • الديناميكية المعرفية: على النقيض من الجمود المعرفي للشاعر، يعيش الفيلسوف حالة إلهام ديناميكية وحيوية تدفعه باستمرار ووعي للبحث عن الانخراط المطلق مع المعرفة، وسعي دؤوب لإدراك الكليات ورؤية الوجود الحقيقي. يعتمد الفيلسوف في هذه الحالة على تمسكه بذاكرته كمرشد يعود به إلى العالم الأعلى.
  • اتجاه الحركة (تصاعدي): يتحرك الفرد هنا في اتجاه صاعد، حيث ينطلق من الفهم الجزئي في العالم الأرضي وينظر صعوداً نحو الأعلى للبحث عن الحقائق المطلقة والتواصل مع ما هو إلهي حقاً.
  • الطابع الفردي والسامي: يُعد الإلهام التصاعدي تجربة شخصية وعميقة للغاية، تتطلب من الفيلسوف التنحي جانباً عن صخب الحياة البشرية وانشغالات الجماهير، ليركز على رؤيته الفردية وارتقائه الروحي، وهو ما يجعل عامة الناس يسيئون فهمه ويتهمونه بالجنون.20

يؤكد بارتي أن التفرقة الجوهرية تكمن في أن الإلهام السلبي يتطلب استجابة سلبية وعمياء من الإنسان، حيث يشغل الفرد موقعاً ثابتاً لتأدية وظيفة اجتماعية دون أي مسعى للارتقاء الذاتي، بينما الإلهام التصاعدي هو قوة محفزة تمنح روح الفيلسوف (أو الفرد المحب للجمال) أجنحة تدفعها في رحلة ديناميكية واعية وطموحة نحو معانقة الحقيقة والكمال الإلهي.

آراء أخرى عن الإلهام عند أفلاطون..

ثمة آراء أخرى تخص الإلهام عند أفلاطون، منها ما نشرته إليزابيث أسميس، (Elizabeth Asmis) في مقالتها أفلاطون بالإبداع الشعري Plato on Poetic Creativity، مبينةً آراءها وخلاصتها :
ترى الكاتبة إليزابيث أسميس أن أفلاطون لا يعترف بالإلهام الشعري كقوة “معرفية” ما فوق-عقلية بأي شكل من الأشكال، بل على العكس تماماً، ينزع عنه أي سلطة معرفية حقيقية. ومع ذلك، فإن موقفه من مفهوم الإلهام لم يكن مجرد سخرية عابرة، بل خضع لتطور واستكشاف فلسفي جاد أعاد فيه تعريف الإلهام لخدمة الأخلاق والفلسفة.

وتشرح الكاتبة هذا الموقف عبر المحاور التالية:

  • نفي الارتباط بين الإلهام والمعرفة (الإلهام كجهل): في محاورات مثل “الدفاع” و”أيون”، توضح الكاتبة أن أفلاطون يربط الإلهام الشعري التقليدي بـ “الجهل المصحوب بالوهم”. فالشعراء يتحدثون عن طريق إلهام إلهي دون أن يعرفوا حقاً ما يقولونه، ولا يمتلكون أي “حرفة” (Techne) أو معرفة بما يفعلونه. وبالتالي، فإن هذا التلبس الإلهي لا يمنح الشاعر أي إدراك معرفي، وهذا الرأي هو ذاته ما أتفق فيه معها والكثير من القراء.
  • الإلهام ليس ضمانًا للتنوير المعرفي: حتى عندما قدم أفلاطون اعترافاً بالإلهام بوصفه نوعًا من “الجنون الإلهي” في محاورة “فايدروس”، فإنه وضع “الشخص الشعري” المُلهم في مرتبة متدنية جدًا (المرتبة السادسة من أصل تسع مراتب للحياة). وتؤكد الباحثة صراحةً أن “الإلهام الإلهي ليس ضماناً للتنوير بأي حال من الأحوال أكثر مما كان عليه في محاورة الدفاع أو أيون”.
  • تحويل الإلهام إلى بصيرة أخلاقية بدلاً من المعرفة الفوقية: تشير الكاتبة إلى أن أفلاطون طرح تفسيراً جديداً للإلهام الإلهي في محاورة “المأدبة”، حيث لم يعد قوة معرفية غيبية، بل أصبح “إثارة للبصيرة الأخلاقية في الروح”.
     هنا لا يتلقى الشخص المُلهَم معرفة ما فوق-عقلية جاهزة، بل يصبح الإلهام سعياً شخصياً مدفوعاً بالحب للبحث عن الخير الأخلاقي واستكشاف الذات، مما يجعله جهداً إنسانياً وأخلاقياً بامتياز.
  • العقلانية الفلسفية هي ذروة الإلهام: توضح الكاتبة أن أفلاطون يرى أن النموذج النهائي للمؤلف “المُلهم حقاً” ليس الشاعر، بل الفيلسوف. فالوصول إلى المعرفة لا يتم عبر قوى فوق-عقلية عمياء، بل من خلال الاستخدام الجاد للعقل المتمثل في “فن النقاش” (الديالكتيك)، والذي يتطلب القدرة على تعريف المعرفة وتقسيمها بشكل صحيح، وتكييف الخطاب العقلاني ليناسب روح المستمع لقيادته نحو الحقيقة.21

باختصار، تقول الكاتبة إن أفلاطون تعامل مع الإلهام بجدية، لكنه جرّدَ الإلهام الشعري من أي قيمة معرفية، وجعل الوصول إلى الحقيقة حِكرًا على المسار العقلاني والفلسفي المدعوم بالحب، رافضاً فكرة أن يكون الإلهام طريقاً مستقلاً أو “فوق-عقلي” لاكتساب المعرفة.
 هذه القراءة للباحثة ”أسميس“ تُكمّل قراءة بارتي في اتّجاهٍ جوهري، إذ لا تكتفي بنفي السلطة المعرفية عن الشاعر بل تُبيّن كيف أنّ أفلاطون أعاد توطين الإلهام في الفيلسوف…

بعد هذا العرض لآراء موريس هنري بارتي وإليزابيث آسميس، علينا الآن عرض ردود موريس نفسه ضد المدافعين عن أطروحة أفلاطون ضد الشعراء..

ردود موريس بارتي على المدافعين عن أفلاطون :

رغم أن أفلاطون كان يتذوق الشعر ويقتبس منه في محاوراته، إلا أنه من الناحية الفلسفية رفض الشعر تماماً لما يسببه من تشويش للعقل وإفساد للعواطف.
يفكك الباحث الحجج التي ساقها المدافعون عن أفلاطون (الذين حاولوا إظهاره كصديق للشعر)، وذلك عبر تفنيد نظريتين رئيسيتين:

1. تفنيد حجة “الدولة المثالية” (اليوتوبيا): يرى بعض النقاد أن أفلاطون استبعد الشعر فقط لأن “الجمهورية” هي دولة مثالية (يوتوبية) لا مكان فيها لأي نقص بشري، وأن هذا الاستبعاد لا ينطبق على الواقع . يرفض بارتي هذا الرأي بشدة، موضحاً أن أفلاطون قصد بـ “الجمهورية” أن تكون دليلاً حقيقياً للأخلاق والسياسة. فالفيلسوف عند أفلاطون هو إنسان واقعي يسعى لتطبيق رؤيته في العالم. وبالتالي، إذا كان الشعر يعتبر شرًا يجب استبعاده من الدولة الأكثر كمالاً، فإنه يظل شرًا في أي دولة أخرى؛ لأن الهجوم الأفلاطوني نابع من منظور أخلاقي وتربوي وليس مجرد خيال سياسي.22

2. تفنيد حجة “الهجوم على الاستخدام السيئ للشعر”: تجادل مجموعة أخرى من النقاد بأن أفلاطون لم يهاجم الشعر بحد ذاته، بل هاجم النقاد السيئين (مثل الرابسودي أيون) أو الشعر غير الأخلاقي فقط، مستدلين بإشادته بمفهوم “الإلهام الإلهي” في محاورات مثل “أيون” و”فايدروس”.
يرد بارتي بأن أفلاطون لم يقبل أبداً الشعر كدليل للسلوك الصحيح. أما إشادته بالإلهام الإلهي للشعراء فقد كانت مشبعة بالسخرية السقراطية (كما في “الدفاع”)، وتؤكد في جوهرها على “جهل” الشاعر. الشاعر المُلهم عند أفلاطون هو مجرد وسيط سلبي تلتبسه الآلهة ليتحدث بأشياء لا يفهم معناها، وبالتالي لا يمكنه أن يكون معلماً أو مشرعاً للمجتمع.23

أتفق مع بارتي تماما فيما يخص آراءه بالأساس الفلسفي لنفي الشعر من الجمهورية، وهي الأسباب نفسها التي شرحتها بمطلع المقالة عن الأثر الذي يقدمه الشاعر وفق رؤية أفلاطون التي تتمثل بأن هناك جهل معرفي/ أو تضليل يقوم به الشاعر، وهناك أثر انفعالي مدمر ومخادع وهما فعليا ما كان يقدمه أفلاطون بجمهوريته كمقدمة لطرد الشعر والشعراء دون أي تورية، لكن بارتي أضاف إلى ذلك قراءته لأفلاطون إذ يضيف بأن أفلاطون رأى باستجابة الفرد للجمال الفني استجابة عاطفية بحتة ومضللة إذا لم تكن مرتبطة بالحقيقة.
الشعر يُثبِّت المعرفة في قوالب لغوية جامدة تمنع العقل من التفكير الحر، حيث تستهوي بجمالها اللفظي عاطفة الجمهور وتعميهم عن الحقيقة أما المحاورات الأفلاطونية، فرغم احتوائها على صور بلاغية ودرامية رائعة، إلا أنها تختلف جوهرياً عن الشعر؛ لأن غايتها هي توجيه العقل نحو “الخير” ودفع الفرد للارتقاء الفلسفي (الديالكتيك) للوصول إلى الحقيقة التي تتجاوز الكلمات. أفلاطون يسمح فقط بالشعر “التعليمي” أو “المدائح” الموجهة للآلهة والرجال الصالحين، لأن هذا النوع يخضع للحقيقة ولا يتلاعب بالانفعالات.

ختامًا

كان أفلاطون برؤيته ضد الشعر والشعراء مثيرا لنقاشات منذ قرون عن صحة هذه الرؤية التي شملت نقده المعرفي لظاهرة الشعر وتأثيرها على الفرد والمجتمع، وكيف أن الشاعر والراوي والناقد المحبذ لهذا الشاعر على ذاك. جميعهم جهلة لا يستندون على معايير فنية تقنية ولا يمكن الوثوق بما يقدمه الشعر من معلومات، وهذا الشعر يخاطب ويؤثر على الجزء الأدنى من النفس الذي ينخدع بالمحاكاة كما يحدث أن ينخدع البصر بالصورة المنكسرة في الماء نتيجة انكسار الضوء، ولأنه يفاقم الانفعالات ويتصادم مع ملكة التمييز/العقل فلابد إذن من الصراحة والوضوح وتأييد الحقيقة بطرد الشعر والشعراء من الجمهورية باستثناء ما يكون تحت نطاق تقديس الإله فقط، وبرغم وضوح هذه الرؤية فإن صرامتها دفعت نحو البحث عن تأويلات مستساغة لوجودها ومنها ما قاله “إريك هافلوك” (Eric A. Havelock) في كتابه التأسيسي “مقدمة لأفلاطون” (Preface to Plato). إذ يرى ”هافلوك“ أن هجوم أفلاطون لم يكن هجوماً على “الفن” بمعناه الحديث، بل كان هجومًآ على “الموسوعة التعليمية الشفوية” (The Oral Educational Encyclopedia) لليونان. كان الشعر الهوميري هو نظام التعليم (Paideia)، وكان أفلاطون يحاول تحرير العقل اليوناني من “الحالة الشفوية” (Orality) لصالح “العقلانية المكتوبة” (Literacy) والتفكير المجرد.24، ومع احترامنا لأطروحة هافلوك، ينبغي النظر إليها بأنها دراسة نسقية للماذا قال أفلاطون واعتقد بهذا الموقف لكنها لا تقدم تغييرًا لموقفه وحججه.
عبر هذه القراءة قدمنا معظم مواقف أفلاطون كما هي مع بعض الآراء المهاجمة أو المدافعة، لتشكّل بذلك مرجعا معرفيا عن الشعر والشعراء عند أفلاطون، ومستقبلا سيكون ثمة ردود على ما طرحه بمقالات ومواضيع منفصلة.

🕶 كُن معنا!

ستصلك منشوراتنا كل أسبوع عن الجديد
والمثير بعالم الشعر والفلسفة

لن نرسل لك البريد العشوائي أو شارك عنوان بريدك الإلكتروني مطلقًا.
اقرأ المزيد في سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

0 0 الأصوات
تقييم الأعضاء
1 أفلاطون، جمهورية أفلاطون، ترجمة فؤاد زكريا (المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2023)، 499
2 نفسه ٥٠٢
3 نفسه ٥٠٢
4 نفسه ٥٠٣
5 نفسه ٥٠٤
6 نفسه ٥٠٥
7 نفسه ٥٠٨
8 أرسطو، فن الشعر: مع الترجمة العربية القديمة وشروح الفارابي وابن سينا وابن رشد، ترجمة وتحقيق عبد الرحمن بدوي (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1953)، 18.
9 Gilmore, Jonathan. "Paradox of Tragedy." Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2025 Edition), edited by Edward N. Zalta & Uri Nodelman. Stanford University: The Metaphysics Research Lab, 2025.
10 Arthur Schopenhauer, The World as Will and Idea, trans. R. B. Haldane and J. Kemp, 6th ed., vol. 3 (London: Kegan Paul, Trench, Trübner & Co., 1909), 212.
11 Martha C. Nussbaum, The Fragility of Goodness: Luck and Ethics in Greek Tragedy and Philosophy, rev. ed. (Cambridge: Cambridge University Press, 2001), 18.
12 نفسه ص١٨
13 Plato, Phaedrus, trans. Alexander Nehamas and Paul Woodruff, in Plato: Complete Works, ed. John M. Cooper (Indianapolis: Hackett Publishing, 1997), 522 (245a).
14 أفلاطون، المحاورات الكاملة، ترجمة شوقي داود تمراز، ط1 (بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 1994)، ص 19
15 نفسه ٢٠-٢١
16 Franco V. Trivigno, Plato's Ion: Poetry, Expertise, and Inspiration (Cambridge: Cambridge University Press, 2020), 57.
17 أفلاطون، جمهورية أفلاطون، ترجمة فؤاد زكريا (المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2023)، 511
18 Franco V. Trivigno, Plato's Ion: Poetry, Expertise, and Inspiration (Cambridge: Cambridge University Press, 2020), 57–62.
19 Morriss Henry Partee, "Inspiration in the Aesthetics of Plato," The Journal of Aesthetics and Art Criticism 30, no. 1 (1971): 87, 89, 91.
20 نفسه ص٨٧-٩١
21 Elizabeth Asmis, "Plato on poetic creativity," in The Cambridge Companion to Plato (1992), 342, 345, 358-360.
22 Morriss Henry Partee, "Plato's Banishment of Poetry," The Journal of Aesthetics and Art Criticism 29, no. 2 (1970): 210–12.
23 Morriss Henry Partee, "Plato's Banishment of Poetry," The Journal of Aesthetics and Art Criticism 29, no. 2 (1970): 213.
24 Eric A. Havelock, Preface to Plato (Cambridge, MA: The Belknap Press of Harvard University Press, 1963), 29–30.

مقالات ذات صلة

الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
Rkayz

مجانى
عرض