✔️✨
قدم آدم سميث بكتابه: ”نظرية المشاعر الأخلاقية“، فصلًا مميزًا بقراءة واقع وطبيعة المشاعر اتجاه الثروة مقابل الفضيلة، وهي فعلًا قراءة مميزة لكنه
لم بفسر بذلك الفصل لماذا؟
لماذا نميل نحو هذا الشعور المخادع ونمنح الثري حق الغرور ونبرر له أكثر من الفقير؟
حينئذ كان رأيي:
(إنها بقايا عصر العبيد) المتأصلة في النفس البشرية، أو ما يسميه كارل يونغ اللاوعي الاجتماعي القادم من عصور قديمة مع تحفظي قليلا على واقعيته، وقد يكون توجهًا نحو المعرفة بخوض التجربة وانكشاف الخيال، ثم إعادة التموضع للفكرة والموقف،
فيما يخص بقايا عصور مضت، أعني أن الإنسان يولد وينشأ بوسط يتوارث ثقافات وأفكار تليدة، ولا شك أن علو شأن الثري فيها لم تكن فكرة عابرة بالتاريخ بل هي متوارثة ومتجددة وباقية إثر سلطتها التي تمثل القوة والقدرة عبر التاريخ أما المستوى الأخلاقي ونسبة المروءءة وغيرها فهو ما لا يمكن رصده وبالتالي تأثيره على المزاج الثقافي العام لأمة من الأمم لن يكون ذا شأن باتخاذ مواقف تصحيحية، وهنا يتراءى لي بأن اللاوعي الاجتماعي لعله أشد ظهورًا عبر وقائع المجتمع الموعى بها، المجتمع الذي ينشأ به الفرد عبر مواقف والديه وجماعته وأثر المال بالحياة، ومن ثم فإن الموقف الشخصي والاستقلالية هما فعل تفكير وانكشاف للحقائق وهذا ما أعنيه بقولي: ” إعادة التموضع للفكرة“ فمن يتأثر انفعاليا مع مشهد الثراء والثري مازال في طور معرفي واتخاذ موقف سيتحدد مستقبلا مع التجربة، هذا سيحدث في بدايات التعرف على مسألة التأثير الطبقي على الشعور الذاتي ومحاولة تحديد الموقف.
يرى آدم سميث بفصل آخر بكتابه رأيه بالأمر ويربطه بانسياقنا بالخيال وهو بلا شك رأي له وجاهته من ناحية ذاتية فيقول :
” عندما نتمعّنُ في وضع العظماء، وفي تلك الألوان الخادعة التي تميل المخيلة إلى استعمالها عند رسمها لهم، فإنها تبدو لنا على هيئة فكرة مجردة عن وضع يتسم بالكمال والسعادة. إنه نفس الوضع الذي نرسمه لأنفسنا في مخيلتنا ، عند استغراقنا في أحلام اليقظة وتفكيرنا الحالم الخامل، بصفته الهدف النهائي لجميع رغباتنا. وعليه، ينتابنا شعور بالتعاطف مع الرضى الذي يخيم على حياة أولئك. نرى أن رغباتهم هي الأفضل، وأن أمانيهم هي الأكثر تقدمية“ ص١١٥
ويقول بفقرة أخرى بالفصل ذاته:
“نشأ التمييز الطبقي بين الناس ونظام المجتمع بسبب طبيعة البشر الذين يميلون إلى مسايرة أمزجة الأثرياء وذوي النفوذ والسلطة. كما نشأ شعورنا بالدونية تجاه من هم أعلى منا قدْراً من ناحيتي المال والسلطة، من إعجابنا بالمكاسب والميزات التي يتمتعون بها والتي وفْرَتْها لهم ظروفهم، أكثر من أية آمال من قبلنا بالحصول على فوائدَ منهم بسبب طبيعتهم الخيِّرة ونيَّتِهم السليمة.“ ص١١٧
كان هذا تحليلا للانصياع والإذعان ينظر لحالة الظاهرة وكذلك للشعور الذاتي، وأرى أن هذا التفسير صائب لكنه لا يفسر تماما السلطة الاجتماعية كما أشرت إليها في رأيي وحالة إعادة التموضع بالموقف إزاء الطبقة، ثم إن آلية الاستمرارية بصفات مشينة تحتاج لمزيد من التمعن
فنحن نعلم أن الطبقات العليا اجتماعيًا/ماديًا تميل إلى تجاهل مشاعر من هو أدنى ما لم يكن ذلك مؤثرا على بقائها، ومع هذا فإن استمرارية التعالي له مربط آخر،
حيث من انكشفت رذائله من طبقة عليا سرعان ما سيتجه لجمهور آخر من الطبقة الأدنى ٠عريضة الجماهير)و هذا الجمهور مازال في مرحلة التجربة وتبدد الخيال المخادع، وهكذا فكثرة الأسفل وقلة الأعلى تدفع للاستمرارية وعدم الانهيار بالعلاقات الجتماعية حيث يظل هناك تبرير واحترام دائم للطبقات العليا التي كما نعرف قلة من ينتمي إليها، هذا كله يأتي بعد ظاهرة القدرة المادية والأثر التي من خلالها كان للطبقة العليا مكانة بالأساس.
لكن ماذا لو عرفت الآن بصفتي فردا أن هذا وطبقته نصابون أو أنذال لا يهتمون بمشاعر الآخرين ولهم سيكولوجية غريبة وثقافة تؤجج مثل هذه السلوكيات،
هنا تأتي معضلة أن الطبقة الاجتماعية الأدنى(بمعيار مادي) لا يمكنها قفز من هي أعلى، لذلك سأجدد ثقتي بشخص ثري جديد لاعتقادي أن الأول كان محرد خطأ ونشاز فقط، أي أن جواب:
لماذا لا نكفر بالطبقة الثرية بأكملها عندما نكتشف دناءتها؟
هو ببساطة : لأن الطبقة الاجتماعية الأدنى لا يمكنها قفز من هي أعلى" وهذا العجز المادي المعنوي يفرض حيلة نفسية
تتمثل في عزل الفرد السيئ عن طبقته، للحفاظ على "الأمل" المادي قائمًا، أي التوق للأعلى.
قد يخرج المرء من السيطرة عليه عبر تأثيرية الطبقة السابقة من خلال التحرر من معايير المادة وبالانتماء لإيديولوجية معادية مثلا، أما غير ذلك فسيظل عنده نوع من التمرد الانفعالي على أفكاره، فسيخضع أو ينخدع أو ينبهر بالثري الجديد حتى لو كان قد توصّل بأن هذه الطبقة مجموعة من الأنذال والشهوانيين ومن لا مبدأ لهم إلا المصلحة .
(لا يمكن التعميم بالطبع فقد نجد من ينتمي لطبقة ما لكنه يحمل الصفات السائدة للأخرى، ولمثل هذا تفاسير مختلفة).
الموضوع للنقاش ..

