
أشاحت بوجهها عن نبضات قلب جنينها الأول على الشاشة. تجاهلت اعتصار أمها لأصابعها المرتجفة. وانصرفت بسمعها عن ثرثرة الطبيبة. جالت عيناها المغرورقتان بالدموع في أرجاء العيادة الضيقة. شمّت رائحة الكحول المخفف تتشابك مع عفونة الجدران، لكنها لم تقو على الحديث. مسحت الطبيبةُ المادة اللزجة المتكومة فوق بطنها بمناديل ورقيةٍ بيضاء، وألقتها في سلة النفايات.
تعلّقت عيناها على القمامة داخل السلة، فاستدعت صوراً ممزقة من طفولتها البعيدة.
شاهدت نفسها ممسكةً بيد أخيها الصغير، تجره راكضة، منتشيةً بفرحة اللقاء المتجدد عند حاوية القمامة. والدتها خلفها تمشي بخطىً بطيئة، مُقطَّبة الحاجبين، تتحدث بنبرة خافتة في هاتفها، قبل أن يتبدل هدوؤها فجأة؛ صراخاً وعويلاً، فتتسمر في مكانها. وما أن تجمع المارة حولها حتى عاد صوتها إلى خفوته، وتابعت سيرها.
تصل إلى الحاوية، إنه الموعد الأسبوعي لرمي القمامة، والموعد الوحيد الذي يجمع الأخوة الأربعة، اثنان قادمان من بيت الأم، واثنان من بيت الأب. لحظات قصيرة قبل أن يتفرقوا من جديد، في مسيرين متعاكسين: اثنان يتركان أمهما نحو أبيهما، واثنان يتركان أباهما نحو أمهما .. هكذا، أسبوعاً بعد أسبوع، يتحلّقون حول الحاوية ذاتها.
على ضفاف الحاوية المكتظة بالقذارة، تعلو الأصوات، وتخترق الشتائم البذيئة مسامعهم العفيفة، وتنفذ الروائح الكريهة مشامهم البريئة. فيضعون أصابعهم الصغيرة على آذانهم وأنوفهم، فتتحرر دموعهم الحبيسة، لتنساب دافئةً على وجناتٍ أسلمها الأبوان لصقيعٍ لا يرحم.
عادت إلى سريرها الرث بهذه العيادة المنسية، فوجدت يديها تفعلان الشيء ذاته، تسدان أذنيها، ومنخريها كما فعلت يوماً بجانب تلك الحاوية، ثم غابت عن وعيها.
حاولت الطبيبة إيصال القطنة المبللة بالكحول إلى أنفها، لكن يديها المتشنجتين كانتا مطبقتين عليه بإحكام. شدّت الطبيبة يدَيها عنه بقوة فانفكّتا أخيراً، وبقيتا معلّقتين في الهواء كقطعتَي خشب.
وصلت إليها الرائحة الواخزة دفعةً واحدة، فانتفض جسدها. توسعت عيناها، وارتفع جفناها.
قالت الطبيبة وهي ترمي القطنة المبللة بالكحول في سلة القمامة:
• حمداً لله على سلامتك.
بقيت تحميدتها بلا جواب، وعادت عينا الفتاة تتجولان في أرجاء الغرفة الكتيمة.
حين سمعت الأم كلمة “السلامة”، لمعت في ذاكرتها لحظة عودتها الميمونة من صقيعها الأوروبي الذي وعدها بالحرية، إلى أحضان أبنائها المحررين الدافئة. جاءت محمّلةً بأطنان الآمال والقليل من الحقائب. لم تتعانقا عند الباب.
قالت الفتاة وعيناها معلّقتان في سقف منزلها المتهاوي:
• أريدكِ أن ترافقيني.
لم تسأل الأم إلى أين. انطلقتا بصمتهما القديم … قبل السفر وقبل الطلاق وقبل التحرير … قبل الحياة.
عاشت دهراً بذاكرتها الملتهبة، واقفة في مكانها القصي من تلك الغرفة البائسة، بوجهها الشاحب، وعينيها الغائرتين المترقبتين. كانت تمسك كأس شاي لا تزال أبخرتها تتصاعد كأنها تغلي، تمسكها من جانبيها لا من مقبضها، غير آبهة بحرارتها العالية، كأنها تريد أن تلتصق بألم أطفالها الذين تركتهم قبل أن يختمروا. تتابع عيناها البحث عن إجابات، وينعقد لسانها عن الأسئلة، ويزداد إحكام يديها على الكأس الزجاجية.
كانت متلهفةً للإصغاء لكلمات الطبيبة، لكن الكلمات لم تصلها. ازداد ضغطها على الكأس، فجأة شعرت بحرارة منعشة تسيل على يديها بعد صوت تحطّم الزجاج. كان دمها يسيل من راحتيها المرتجفتين الخشنتين، وشظايا الزجاج منغرزة فيهما.
بقيت هادئة، وظلّت عيناها الغائرتان تطوفان بحثاً عن أجوبةٍ لأسئلة لم تجرؤ على طرحها. قاومت إصرار الممرضة على تضميد جراحها النازفة، حتى أسلمت لها يديها أخيراً خلاصاً من ضجيج الكلمات المكررة، بجسدٍ متخشّبٍ يأبى الانثناء أثناء التضميد. بينما عينا الفتاة لا تكترثان لدمائها المتناثرة؛ تُشيحان عنها، تتجاهلانها، تنفران منها ومن دمائها. لم تلتقِ عيناهما بعد.
استدارت الطبيبة نحو الأم:
• أين الأب؟
استجمعت الأم شتاتها، فتحت فاها، حركت لسانها، لاكت كلمات لم تنطقها، وكأنها طفل يتعثر في نطق حروفه الأولى.
لكن قبل أن تبوح جاء الصوت من خلف الطبيبة:
• لا تسأليها، لا تعرف شيئاً. إنها جارتنا الجديدة في البناية.
نطقتها الفتاة بينما ظلّ جسدها ممدوداً وعيناها مسمّرتين في السقف.
نفذت كلمات الفتاة في صدر الجارة الجديدة كما نفذت شظايا الكأس في راحتيها، كادت تسقط، فتعكزت على الجدار، ومشت بخطوات ثقيلة حتى بلغت الأريكة المقابلة للسرير، فتركت جسدها يهوي عليها. شعرت بظمأ شديد، وجفّت شفتاها، وتزايدت حبات العرق على جبينها، لكن يديها المضمدتين عجزتا عن مسحه.
جالت عيناها في الغرفة، وكأنها تبحث عما يُطفئ ظمأها، لكنهما تجمدتا على شظايا الكأس المبعثرة على الأرض.
• لا بدّ من التعامل مع المحاسبة.
ألقتها الطبيبة وهي تهمّ بالانصراف.
نظرات ابنتها الغاضبة … كلماتها الجارحة … وبطنها المنتفخ، عصفت برأس الأم: لو لم تهرب. لو لم تتركهم. لو لم تنجبهم. لو لم تتزوجه. لو لم تحبّه. لو لم …
– آه لو لم تنجبني أمي.
غصّت الكلمات في حنجرتها، ولم يخرج منها سوى حشرجات.
فأغمضت الأم عينيها، تقلّب ذاكرتها بحثاً عن لحظة قرار الهروب، فلم تجد لحظةً واحدة. وجدت لحظات متراكمة، بدأت برائحة عطر نسائي على قميصه، وأمسيات قضتها وحيدة تنتظره دون أن يأتي، وساعات تلصصها على ضحكات صديقاتها مع أزواجهن حول موائد عامرة لم تُدعَ إليها — عبر نوافذ حياتهن المشرعة على وسائل التواصل.
نبشت عن لحظات سعادة جمعتها بأبنائها الأربعة فعادت بخفي حنين، ثم نقّبت عن ابتسامة حقيقية لابنتها، فلم تجد غير ابتسامات صفراء. وفي قعر ذاكرتها المنسية، استخرجت ابتسامة حقيقية يتيمة، لكنها لم تكن معها. كانت بين الأطفال الأربعة.
تذكرتْ ذلك اليوم، عندما أحضرت قمامتها برفقة ابنيها الصغيرين، وكانا يتراكضان أمامها ليظفرا بلحظات أُلفة ومحبة مع أخويهما قبل لحظات الفراق.
توقفت قدماها، شعرت بخدر في جسدها. كان الأب واقفاً على بُعد خطوات، مسمّراً في مكانه، ينظر إلى أطفاله الأربعة. تدوي قهقهات الابن الأكبر. والأصغر يمسك بساق الياسمينة ويدور حولها بسكون وكأنها كعبته المفقودة. والفتاة الممدة على السرير أمامها، كانت قد جمعت حفنات من الياسمين ونثرت بعضها على الطاولة بين المقاعد الأربعة، وتكتنز بعضها في جيوبها الممزقة، تستخرجها، تتذوقها، تقذفها على وجه أختها الصغيرة التي جلست في منتصف الطاولة بين حفنات الياسمين، وتنهمر من بين شدقيها زخّات ضحك كلما قُذفت برشات من الياسمين. كانت الشجرة كبيرةً في عيونهم الصغيرة، وجذورها في قلوبهم أعمق مما تعرفه الأرض، وهي لم تحلّ محل الحاوية إلا منذ أيام. تمنّت لو أُتيح لها أن تبدأ من جديد، أن تكون جدةً لا أماً.
فتحت عينيها على الغرفة الخانقة، وأجهشت الجدة بالبكاء، بنشيجٍ فاق في لوعته نحيب ابنتها المكلومة بجنينها الأول، عندما استرجعت صدى صوتها المؤنِّب لهم، وانتقالها مع أبيهم في رحلة بحث مضنية عن حاوية أخرى، لتكون مكاناً جديداً وموعداً أسبوعياً لإلقاء نفاياتهم وتبادل أطفالهم.
كسر نشيج الجدة سكون الغرفة الباردة. نقلت الفتاة عينيها من السقف إلى جارتهم الجديدة؛ بقيت يداها ممددتين فوق الغطاء دون حراك. تأملتها، ثم أعرضت عنها لترفع عينيها نحو جنينها على الشاشة … وغابت عن الوعي مجدداً.
عليوي الذرعي




