آراءآراء فلسفية

الإصغاء والطربية: في بنية التجربة الشعرية

من الممكن أن نعتبر مخيلة الشاعر تبصر بالطبيعة ما ينبغي أن يكون معيارًا لها بالممكن والمعاش والقابل على البقاء، بكونها ملئى بالاختيارات (الانفعالات)، وهذا ما يجعل الإصغاء الذي يهيمن على العملية الشعرية طريقة مزامنة معقدة بين الذات والطبيعة التي جاء منها ويتوق إليها.

قرأت نصًا جميلا للشاعر الإنجليزي “بيرسي شيلي” ،وحتى بترجمته حافظ على استعاراته العميقة ومنه هذا الجزء العظيم، مخاطبا الريح الغربية؛

“اجعليني قيثارتك، تمامًا كما هي الغابة:
ماذا لو كانت أوراقي تتساقط مثل أوراقها!
إنّ صخب تناغماتك الجبارة
سيأخذ منا كلينا نغمةً خريفيةً عميقة،
عذبةً رغم حزنها. 

كوني أنتِ، أيتها الروح الشرسة، روحي!”1

وإذا كان الشاعر هنا أراد الريح فقد أراد الثورة على نفسه، والمخيلة البشرية لا يمكن أن تتوسع إلا عبر هذا الجنوح الشعري للغة من خلال الاستعارات، لكن الشاعر لم يلعب بالكلمات لأنه بلا حرية فيها بل لكونها هي دومًا تحت حكم الوعي السابق للغة، وللطبيعة السابقة عليها أيضًًا، إنها لحظة إصغاء وانعدام للشخصية بذوابانها فيما يحيطها كما يراها “كيتس” لكن علينا أن نستدرك على “كيتس” عالم “المزامنة” وهو أن يزامن الشاعر بين ذوات ومظاهر ما تماهى معه بانفعالاته التي لابد أن تمنح المشهد قيمة إضافية جاءت من ذات الشاعر، والجدير بالذكر أن ما تحدث عنه كيتس برسالته ل“ريتشارد وودهاوس“، لا تشكل دوما حالة الاستجابة الشعرية، خصوصا أن التماهي مع ما يثير خارجيا ليس دوما نافيا لإرادة الشاعر وموقفه من العالم في هذه اللحظة الناظمة.

سنجد مثلا بقصة مسلم بن الوليد ( صريع الغواني) حينما عرض عليه بعض إخوانه الشراب وهو في جزع وعزلة بعد وفاة زوجته وحزنه عليها فقال :


بكاءٌ وكأس كيف يتفقانِ
سبيلاهما في القلب مختلفانِ
،
دعاني وإفراط البكاء فإنني
أرى اليوم فيه غير ما تريانِ
،
غدت والثرى أولى بها من وليّها..
 إلى منزل قاصٍ لعينك داني
،
فلا حزن حتى تنزف العين ماءها
وتعترف الأحشاء للخفقان
،
وكيف يدفع اليأس والوجد بعدها
 وسهماهما في القلب يختلجانِ2

أقول سنجد بهذا الشعر كيف كان الإصغاء مبينًا لموقف الذات على المحيط، ومبرزا بإن المثير الخارجي أصبح في محل الرفض، وهذا الانفعال الشعري سرعان ما كسب الظهور المناسب، دون انعدام لشخصية الشاعر هنا، لكنه أثبت الإصغاء الكبير عند الشاعر لما في أعماقه.

الإصغاء ومرور الأشياء..

حين نتأمل الكتابةَ الأدبية عمومًا ونلقي على الرديئةَ منها تأملًا يتجاوز اللغة سنجدها لا تنطلقُ من الشاعرية بل من الاحتياج إليها، أن يحفرَ المرءُ في ذاته ليكتبَ ما يلقاه بعد عذابٍ طويل.
يأتي الإصغاءُ للذات حيث لا مكان ولا آخر إلا بكونهما تحت سلطانها، أي تقديم الشعور الذاتي بعيدًا عن الواقع المحسوس دليلًا على وجود هذا أو ذاك أعني أن تبصرَ في ذاتِكَ العالم ، وإنَّ هذا الشعورَ الذي عادةً ما يكون ممزوجًا بتلك الحاسة الخفيّة التي تعطينا طعمًا ومذاقًا نفسيًا لمرور الأشياء والآخرين من خلالنا- هو المعنيُّ بالشعر ومظاهره.
وحين يفقُدُه المرء  بإهماله عبر تشظّيه بالضوضاء يكون التنقيبُ عنه أسلوبًا كتابيًا رديئا.

إنَّ هذا النوع من الإصغاء إذن هو وقودُ الكتابة/النظم وأمّا “التحرر من التسلط” فهو شرط الوجود الشعري، وإن كان ظاهرًا يبدأُ بالتحرر من العالم المعاشِ فإنّهُ بأعماقِهِ تمسّكٌ بهِ ، أي أنّكَ لتخلقَ أو لتعيشَ شاعريةً ما، عليكَ صناعةَ التوترِ عبر أن تفكَّ وثاقَ نفسِكَ من العالم وتسعى نفسُكَ من حيث لا تدري إليه،إن الشعر فعل إصغاء مزدوج، إصغاء الذات إلى ذاتها وإلى العالم في آنٍ، عبر توتر جدلي بين التحرر من العالم والتمسك به فالتنافُر والتجاذب، يؤسسان لطربية الذهن، التي هي شكلٌ من أشكال الإصغاء، حيث يحققٌ ما يثيرنا من غناء/كلمات/مواقف حركةَ الشعور والمزاج الممتدة، لتخلقَ إمكانيةً في بناء موقف ما، أعني الامتدادَ بوعينا فيه.

مثلا للانعكاس، أثرٌ في تكوين الصورة، وبالنسبة لنا فإنّنا أشد تعقيدًا من عالم التصوير الآلي، ونملُكُ في ذواتنا آلياتٍ تنتجُ الشعورَ ومداه وما يترتب عليه من أفكار وخيالات، فشاعريتُنا هي قدرتنا على رؤيةِ الكون/الطبيعة/الكائنات/الأشياء بنظرةٍ تأمليةٍ نستشفُ بها الحيويَّ والروحيَّ (المحسوسَ شعوريًا عبر جسدنا وأيضًا عبر تصوراتنا الذاتية) ليصبَّ بنا ثم ليتحول بعد ذلك بفعل الزمان لآليةٍ حيةٍ وذاتيةٍ معقدةٍ من التفاعل وإعادةِ التشكيل نصًا،إنها ارتفاعُ الشعور من مستوى الإحساس النفسي لمستوى الحس الكتابي، بتدفقٍ ضخم يجذب معه ما يرتبط به من مشاعر ومواقف وذكريات وبقفزة اللغةِ وتشكيل اللوحةِ، والأغنيةِ الجديدة.

الشعر بصفته موقفا وجوديًا..

لقد نظر أفلاطون للشاعر نظرة سلبية حين جعله بلا إرادة واعية ولا عقلانية في نظم شعره في خضم محاوراته الفلسفية، فلكي ينظم الشاعر شعره، يجب أن يُسلب منه عقله، حيث يؤكد سقراط في محاورة ”إيون“  أن الشاعر يعجز عن الإبداع “حتى يُلهَم ويخرج عن طوره (يفقد عقله) ولا يعود عقله فيه“3 وأفلاطون بهذه النظرة يري الشعر كفاعل اجتماعي موثر، ينتقده من حيث المعرفة التي يرى أفلاطون أن الشاعر يقول ما لا يفهمه ولا يجيده من ناحية حرفية،
فإذا كان قد نظم شعره عن الحرب ومجد القائد والمقاتل ”فلان“ فإنَّ هذه المعرفة لا يمكن التأكد من صحتها إلا عبر أهل الحرفة نفسها مما يجعل الشاعر مضللا للجمهور، ومع وجاهة نقده من الناحية المعرفية لكن الشعر لا يعمل بهذا المجال فالشاعر يعبّر عن إصغائه لذاته وموقفه، والشعر ليس دوما معنيا بالحقيقة في شكلها الاجتماعي بل نجده معنيًّا بها في نطاق موقف الشاعر نفسه من هذا العالم، وما يثيره فيه يزامنه بموقفه هو، عبر هذا الإصغاء
وما يعتبره أفلاطون إلهامًا جاء من بنات زيوس/ربات الفنون ومنهن ربة الشعر، أو المانيا/الجنون الإلهي،
ليس سوى قراءة من الخارج لحالة النظم التي تحمل في طياتها إصغاء للذات الشعرية العميقة للشاعر الذي تشكلت لديه حاسة المذاق لمرور الأشياء والكائنات في تزامن مع موقفه الجزئي والكلي منها، فالشاعر في نصه يعبر عن موقفه وجوديا لا معرفيا.

ختامًا..

يقتربُ اللحنُ أو يبتعد، يهاجمني الإلهامُ أو يباغتني، ينتهزُ فرصةَ تقلّباتي المزاجية أو يستريحُ هناكَ على طاولةٍ منمّقةٍ بالبرود والعبارات الممضوغة بلغة الملل والكآبة،سيظلُّ شرطُ التحرر بصفته تنافرًا وتجاذبًا بين الفكاك من العالم والرغبة فيه، هو أساس الإصغاء وتحقّق الشعور الإبداعي الذي أتحدث عنه، وهذا الشرط ليس حاضرًا ولا ممكنًا عند جميع الناس، ولست أعلم ما يقف وراءه أهو الجسد أم المكان أم كلاهما معًا.

للحديث بقية

0 0 الأصوات
تقييم الأعضاء
1 Percy Bysshe Shelley, "Ode to the West Wind," in "Ode to the West Wind" and Other Poems, Dover Thrift Editions (Mineola, NY: Dover Publications, 1993), 35.
2 إبراهيم زيدان، نوادر العشاق (مؤسسة هنداوي ، 2012)، 183.
3 Franco V. Trivigno, Plato’s Ion: Poetry, Expertise, and Inspiration, Elements in Ancient Philosophy (Cambridge:

مقالات ذات صلة

الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
Rkayz

مجانى
عرض