قراءاتقراءات نفس-عصبية

من الموسيقى إلى الدوبامين



مما يزيد شغفي بهذه الحياة، استماعي للموسيقى وخصوصًا أنّني من القوم الذين يطربون جدا للأغاني الغرامية، التي تصدح بها فايزة أحمد، ووردة، وعبدالحليم، وأم كلثوم وأعدادٌ لا أحصرها من الفنانين، لكنّني بالطبع إذا خُيّرت بأيٍّ منهم فإنني سأفضل مجموعة محددة من الفنانين على رأسهم أم كلثوم، وبالنسبة للأغاني فمن الممكن أن أحدد عشر أغاني هُنَّ أهم ما يؤثر بي ويوصلني للطربية، لكن عليَّ أن أنظرَ الآن بأنَّ ما أتحدث عنه هو الغناء لا الموسيقى فقط، وأما الموسيقى على حِدَةٍ فنَعم قد تكون بعض الأغاني مميزةً بألحانها لكنها أقل فاعلية بكلماتها المغناة.
هكذا أجدني قادرًا على الإصغاء والتمييز والطرب، لكن هل من الممكن أن يستمع غيري للموسيقى فيُدرِكُها لكنّهُ لا يطرب لها ولا يصل لأيّ درجةٍ من النشوة لا لأنه بموقف فكري أو عقائدي ضدها بل لأنّهُ فعليًّا لا يشعر بأيِّ لذةٍ ولا يمكنه حتى تحديد الأغاني المفضلة لديه؟
الإجابة نعم، وهذا ما يُعرف بفقدان التلذذ الموسيقي الخاص.

فقدان اللذة الموسيقية

بدراسة حديثة قدَّمَها كل من (الأستاذ إرنست ماس-هيريرو وزملائه)، بعنوان “فهم الفروق الفردية تجاه مكافآت محددة من خلال الموسيقى“1 نوقشت هذه الظاهرة،المسماة، بفقدان التلذذ الموسيقي الخاص (Specific musical anhedonia)
 وهي حالة تتميز بضعف أو انعدام القدرة على الشعور بالمتعة واللذة عند الاستماع إلى الموسيقى، وذلك على الرغم من أن قدرات الشخص على الإدراك الموسيقي (مثل إدراك الألحان والإيقاعات) تكون سليمة تمامًا، وقدرته على الاستمتاع بالأنواع الأخرى من المكافآت (مثل الطعام أو المكافآت المالية) تعمل بشكل طبيعي2.
هذه الحالة من فقدان التلذذ بالموسيقى تتمثل بانعدام أى نشوة أو طربية حين الاستماع للموسيقى، وتتمثل أيضًا بصعوبة في اختيار موسيقى مفضلة للمصابين بهذه الظاهرة لا لكونهم عازفين عن الاستماع بل هم عاجزون لأسباب دماغية عن الشعور بتلذذ بالاستماع، إنه عجزٌ عن المتعة، لم يأت نتيجة خلل في نظام المكافأة العصبي العام في الدماغ المعروف اليوم بعلم الأعصاب، بل إن الإدراك ونظام المكافأة هذه سليمان3، ولكن الخلل محصورًا في التفاعل مع الموسيقى فقط، لأسباب عصبية ستُسرد بهذه المقالة التي تتناول مع هذه الورقة شرحًا تفصيليا لورقة ”جيمس أولدز“ و“بيتر ملنر“، ونظام المكافأة و ”الدوبامين“ في الدماغ، مما يوصلنا بالنهاية إلى
أنّ تطوّر فهمنا للعلاقة بين الدماغ والسلوك مَرَّ بثلاث نقلاتٍ مفاهيميّة كبرى للآن — من السلوك بوصفه استجابةً لِنقصٍ بيولوجي، إلى السلوك بوصفه نتاج مراكز عصبيّة مكافِئة، إلى السلوك بوصفه ثمرةَ مساراتِ اتصالٍ بين الإدراك ونظام المكافأة — وفقدانُ التلذذ الموسيقي الخاص يُمثّل المختبرَ الأمثل للنقلة الثالثة.

نظام المكافأة و”الدوبامين” في الدماغ..

قبل عام 1954م، كان السائد في الأوساط العلمية هو تفسير التعلم والسلوك بناءً على “نظرية تقليل الحافز” (Drive Reduction Theory)، حيث كان يُعتقد علميًا أن الكائنات تتعلم السلوكيات فقط لتقليل التوتر السلبي الناتج عن الجوع أو العطش أو الألم، لم يكن هناك أيُّ تصورٍ مادي أو مخبري لوجود “مركز للذة” (Pleasure Center) داخل الدماغ نفسه.
 كانت الدراسات الفسيولوجية الرائدة، مثل تلك التي قام بها Walter Hess في الثلاثينيات، تركز على استثارة الاستجابات الدفاعية أو اللاإرادية، ولم تشر إلى آليات التعزيز الإيجابي (Positive Reinforcement) الذاتية4.
 هذا الفراغ المعرفي استمر وظل خاضعًا لتفسيرات غير مادية مرتبطة بالمدرسة السلوكية التي كان لها هيمنتها آنذاك، حتى حدث اختراق منهجي غير متوقع في مختبرات جامعة مكغيل (McGill University) الكندية على يد ”جيمس أولدز“ و“بيتر ميلنر“، بورقتهما التي سنناقشها لفهم ما هو بالضبط نظام المكافأة بالدماغ ودوره في السلوك والتعلم،
علمًا بأن التفسيرات المتعلقة بالدوافع والمكافأة كانت محصورةً قبلهما في أطر فلسفية مجردة أو محكومة بنظريات المدرسة السلوكية كما أسلفت، وهذه المدرسة بالذات ركزت على العلاقة التجريدية بين المثير والاستجابة،دون الخوض في التشريح العصبي الداخلي،
 غير أن هذه التفسيرات انقلبت رأسا على عقب في سنة 1954م حيث شهدت ثورة معرفية وعلمية نقلت مفهوم “المكافأة” من حيّز التجريد السلوكي النفسي بعلم النفس إلى حيز التشريح العصبي والكيمياء الحيوية، لتنطلق بذلك حقبة جديدة من فهم سلوكياتنا.

ما هو نظام المكافأة العصبي العام؟

يعتبر ”جيمس أولدز“ و“بيتر ميلنر“ أول من وصف نظامًا عصبيًا في الدماغ مختصًا بالمكافأة والتحفيز بدراستهما التي قدّمَاها عام 1954م، حيث ركَّزا على دراسة “الوظيفة التعزيزية” (Reinforcing function) أي (التأثير الإيجابي أو المكافأة) للتحفيز الكهربائي المباشر لمناطق معينة في أدمغة الفئران، بدلاً من التركيز فقط على الوظائف الاستنباطية أو الحركية كما فعلت الدراسات السابقة.

ولنبسط الأمر تدور دراستهما وبحثهما عن مناطق مختصة بتعزيز السلوك عبر مكافأة اللذة والمتعة، وقد بدا أنَّ ورقتهما الأولى فتحت المجال لآلاف البحوث، عن نظام المكافأة الدماغية،ومهدت لمعرفة دور الدوبامين الذي كان آنذاك مادة هامشية لم يُعرف بعد دورها في الوظائف الدماغية.

كان الهدف من دراسة ”أولدز“ وميلنر استكشاف ما إذا كان التحفيز الكهربائي لأجزاء معينة من الدماغ يمكن أن يعمل بمثابة “مكافأة”، بحيث يزيد من معدل تكرار السلوك الذي يسبق هذا التحفيز.

استخدم أولدز 15 فأرًا ذكرًا، وقام بزرع أقطاب كهربائية إبرية بشكل دائم في مناطق مختلفة من أدمغتها السفلية باستخدام جهاز ملاحي جراحي (Stereotaxic instrument)،،.
وُضِعَت الفئرانُ في “صندوق سكينر” (Skinner box) المزوَّد برافعة، فحين يضغط الفأر على الرافعة، فإنه يرسل تياراً كهربائياً متناوباً وخفيفاً إلى دماغه (تحفيز ذاتي)،.
وقد حُسبت النسبة المئوية للوقت الذي قضته الفئران في الضغط على الرافعة خلال فترة “الاكتساب” (حيث يعمل التيار) ومقارنتها بفترة “الانطفاء” (حيث فُصِل التيار). وهنا يكون الاستنتاج والاستنباط مبنيا على هذا الأساس:
 إذا زاد الضغط أثناء عمل التيار، فهذا يعني أن التحفيز يمثل “مكافأة”، وإذا انعدم أو قل، فهو “عقاب”،.

اكتشف أولدز أن هناك أماكن عديدة في المراكز السفلية للدماغ يكون التحفيز الكهربائي فيها مجزياً ومكافئاً للغاية، حيث سعت الفئران لتحفيز نفسها بانتظام وبشكل متكرر لفترات طويلة جداً عندما سُمح لها بذلك، اعتبرت هذه المراكز “مراكز المكافأة“:

أ. منطقة الحاجز (Septal Area): كانت هذه المنطقة في الدماغ الأمامي هي الأكثر استجابة والأقوى تأثيراً كمكافأة. أمضت الفئران التي حُفزت في هذه المنطقة ما بين 75% إلى 92% من وقتها في الضغط على الرافعة، فأظهرت الفئران سيطرة مذهلة على سلوكها بسبب هذا التحفيز، لدرجة تفوق أي مكافأة أولية تقليدية متعارف عليها (مثل الطعام أو الماء)،. على سبيل المثال، أحد الفئران ضغط على الرافعة أكثر من 7500 مرة خلال 12 ساعة (بمعدل 742 مرة في الساعة)، بينما وصل معدل فأر آخر إلى 1920 ضغطة في الساعة (أي تقريباً ضغطة كل ثانيتين).

ب. مناطق مكافأة أخرى: وجد أيضًا أن التحفيز في مناطق أخرى مثل “مسار الحلمية المهادية” (Mammillothalamic tract) و”القشرة الحزامية” (Cingulate cortex) ينتج تأثيرات مكافئة ولكن بدرجة أقل (نتج عنها ضغط بنسبة 71% و 37% على التوالي)،.

ج. مناطق العقاب والمناطق المحايدة: في المقابل، كانت هناك مناطق تؤدي لنتائج عكسية تماماً؛ فزرع القطب في “الفتيل الإنسي” (Medial lemniscus) جعل الفأر يتجنب الضغط تماماً (نسبة 0%) مما يدل على تأثير سلبي أو معاقب, وهناك مناطق محايدة مثل “الرأس المذنب” (Caudate nucleus) لم يفعل الفأر شيئاً للحصول على تحفيزها أو تجنبه5

وصلت الدراسة لاستنتاجات فسيولوجية وتفسيرات تتجاوز نظرية تقليل الحافز المهيمنة آنذاك، وهي النظرية التي تقول بأن الكائنات الحية تسعى جاهدة للحفاظ على حالة من التوازن الحيوي المستقر فعندما يختل هذا التوازن نتيجة نقص في حاجة حيوية (مثل الطعام أو الماء)، ينشأ “حافز” (Drive) يدفع الكائن للقيام بسلوك يقلل من هذا التوتر ويعيد الجسم إلى حالته المستقرة، كانت نظرية الحافز إذن لا ترى وجودًا لنظام مكافأة عصبي، بل فسرت سلوكياتنا بطريقة الحفاظ على مستوى معين من التوازن، سد النقص مثلًا، دون مكافأة بهذا المعنى، إلى أن قدّم ”أولدز“ و“ميلنر“ مساعدُهُ، الدليلَ العلمي بوجود نظام عصبي مختص بالمكافأة وأن هذا النظام له دور كبير في السلوك والتعلم، وهذه هي الاستنتاجات التي توصّلا إليها:

أ. المكافأة لا ترتبط بإشباع نقص: أثبت أولدز أن هذا التأثير المجزي لم يكن ناتجًا عن إشباع دافع فسيولوجي أساسي مفقود (مثل الجوع أو العطش)، لأن الفئران كان يتوفر لها الطعام والماء في جميع الأوقات ولم تكن محرومة منها، وبالتالي المكافأة هنا هي “مكافأة أولية” قائمة بحد ذاتها6.

ب. استبعاد عامل تخفيف الألم: تم نفي احتمالية أن تكون العملية الجراحية لزرع الأقطاب قد سببت ألماً للفئران وأن الضغط على الرافعة كان يخفف هذا الألم؛ فالفئران كانت تتصرف بهدوء، تأكل وتنام بشكل طبيعي، وتكتسب وزناً، ولم تظهر أي علامات فسيولوجية أو سلوكية تدل على ألم مزمن7،.

ج. تحديد نظام المكافأة في الدماغ: استنتج أولدز أن هذا السلوك يعكس سعياً قوياً وراء محفز إيجابي بحت، مما يثبت أنه قام بتحديد مواقع وهياكل معينة داخل الدماغ وظيفتها الأساسية هي إحداث تأثير “مكافأة” على السلوك8،.

الدوبامين ونظام المكافأة العصبي…

هكذا كان أولدز وميلنر قد أسّسَا انقلابًا على مفاهيم سبقتهما، وفي تلك الأثناء كان اكتشاف الدوبامين ومعرفة تأثيراته قد بدأت، إذ أنه حينها لم يكن معروفًا كناقل عصبي، لكنه بالستينات وما بعدها اكتشف العلماء أدوارًا كبرى له فوظيفته الديناميكية بقَيَت لغزًا غامضًا حتى تدخّل عالم الأدوية السويدي ”أرفِد كارلسون“ وفريقه في عام 1957.
حيث استخدم ”كارلسون“ عقار ”الرزيربين“ (Reserpine)، وهو عقار يستنزف الكاتيكولامينات ويؤدي إلى إصابة الحيوانات بتخشب حركي ونفسي شديد شبيه بمرض باركنسون.
 في تجربة حاسمة بأدلتها، قام ”كارلسون“ وفريقه بحقن الحيوانات بمركب “ليفودوبا” (L-DOPA)،
وهو الطليعة الكيميائية المباشرة للدوبامين وقادر على عبور حاجز الدم في الدماغ (Blood-Brain Barrier).
 أدت هذه الخطوة إلى تعافي الحيوانات واستعادة حركتها وسلوكها الطبيعي بشكل شبه فوري. أثبت هذا الإجراء العملي أن الدوبامين ليس وسيطًا لتكوين النورإبينفرين وحسب، بل هو “ناقل عصبي مستقل” والمحرك الأساسي لوظائف العقد القاعدية (Basal Ganglia)9.

وبالتوازي مع هذه الاكتشافات والدراسات بمضي الوقت، تبيّن للمجتمع العلمي أن مسارات المكافأة الدماغي التي استهدفها كلٌّ من ”أولدز“و ”ميلنر“ كهربائيًا (خاصة منطقة “حزمة الدماغ الأمامي الأنسية” Medial Forebrain Bundle) هي في الحقيقة مسارات تتألف بالأساس من “عصبونات دوبامينية” (Dopaminergic Neurons).
بمعنى آخر، ثبت أن مركب الدوبامين هو “العملة الكيميائية“ التي يعتمد عليها نظام المكافأة الدماغي للقيام بعمله.
هكذا تبلور مفهوم “النظام الدوباميني الوسطي الطرفي” (Mesolimbic Dopamine System)، والذي تفرد بتفسير السلوك التكيفي (Adaptive Behavior)، وآليات التعلم وتكوين العادات، وصولاً إلى الفهم المتقدم للأمراض المعقدة كالفصام (Schizophrenia) وميكانيكية الإدمان (Addiction).
وعن هذا المسار الدوباميني وتاريخه تحدث ميلنر في دراسته عام 1991 م عن الدوبامين ونظام المكافأة بمراجعة شاملة ٣٦ عامًا من الأبحاث التي تلت اكتشافه المشترك مع جيمس أولدز لمراكز المكافأة في الدماغ عام 1954م10، وهنا أهم ما قاله بورقته تلك:

خريطة نظام المكافأة(Mapping):
أشار ميلنر إلى أن الأبحاث حددت مسار “حزمة الدماغ الأمامي الأنسية” (Medial Forebrain Bundle – MFB)، وتحديدًا في منطقة ما تحت المهاد الجانبي والمنطقة السقيفية البطنية، كمركز أساسي لنظام التحفيز الذاتي والمكافأة ومع ذلك، أكد أن المكافأة لا تقتصر على هذه المنطقة فقط، بل توجد أنظمة مكافأة متعددة ومستقلة ظاهريًا في الدماغ مثل القشرة الجبهية (Prefrontal cortex) والحصين.

الخصائص الفسيولوجية العصبية:
أوضحت التجارب أن الألياف العصبية التي يتم تحفيزها مباشرة لإنتاج المكافأة في مسار حزمة الدماغ الأمامي الأنسية هي في الغالب محاور عصبية صغيرة مغلفة بالمايلين (Small myelinated axons). كما أظهرت قياسات “التجميع الزمني” (Temporal summation) أن نظام المكافأة يعمل كـ “مُدمج تسرّبي” (Leaky integrator)، حيث تتراكم الناقلات العصبية في المشبك العصبي وتتلاشى خلال فترات زمنية قصيرة (حوالي 0.3 ثانية).


دور الناقلات العصبية (حسم الجدل لصالح الدوبامين):
استعرض ميلنر الجدل التاريخي حول الناقل العصبي الأساسي للمكافأة، وأوضح كيف تحول التركيز من النورأدرينالين إلى الدوبامين. وأكدت الأدلة أن حجب مستقبلات الدوبامين (باستخدام أدوية مثل بيموزيد) يؤدي إلى إخماد سلوك السعي وراء المكافأة. ومع ذلك، شدد ميلنر على أن نظام الدوبامين ليس المسار الوحيد للمكافأة؛ فمثلاً، التحفيز في القشرة الجبهية لا يعتمد بشكل أساسي على الدوبامين.

مقارنة التحفيز الكهربائي للدماغ بالمكافآت الطبيعية:
لاحظ ميلنر أن السلوك المرتبط بتحفيز الدماغ ينطفئ بسرعة (Extinction) مقارنة بالمكافآت الطبيعية (مثل الطعام والماء)، وفسر ذلك بعاملين:
أ. غياب حالة الحرمان: لا يوجد دافع فطري (مثل الجوع أو العطش) يسهّل السعي وراء التحفيز الكهربائي.
ب. غياب التمثيل العصبي في الذاكرة: المكافآت الطبيعية ترتبط بإشارات حسية مألوفة تسهل توقع المكافأة، بينما التحفيز الكهربائي هو إشارة غير طبيعية تتلاشى بسرعة ولا تمتلك روابط قوية في الذاكرة.


نظرية ميلنر للتعلم والتحفيز:
 
قدم ميلنر نموذجًا نظريًا يعتمد على منطقة الجسم المخطط (Striatum) في الدماغ وقد اقترح أن القشرة الدماغية تقوم عادةً بتثبيط وقمع استجابة الحيوان للأشياء المألوفة ولكن عند تقديم “مكافأة”، يُفرز الدوبامين الذي يعمل على إلغاء هذا التثبيط (Disinhibition) وتحرير السلوك الحركي المطلوب للحصول على المكافأة،
 وفي حالة التحفيز الكهربائي المباشر، يُنشَّط هذا النظام، مما يجعل أي محفز متزامن معه يبدو كمكافأة.11

عودة إلى فقدان التلذذ بالموسيقى..

نُظِرَ إلى نظام المكافأة العصبي بالدماغ نظرةً موحدةً في التعامل مع كافة السلوكيات الممنوحة لذةً، فالموسيقى والطعام من حيث النظام العصبي يستخدمان نظامًا موحدًا في موضوع المكافأة باللذة، إذ تستند العديد من الدراسات المهتمة بنظام المكافأة العصبي  إلى افتراض مفاده أن “الحساسية للمكافأة” (Reward Sensitivity) هي بناء نفسي (Construct) عام وموحد؛ مما يشير إلى أن الخلل الوظيفي الملحوظ في نوع واحد من المكافآت يعكس عجزًا عامًا في الحساسية للمكافأة ككل.12.
هذا الرأي خالفه بدراسة حديثة قدَّمَها كل من (إرنست ماس-هيريرو وزملائه)، بعنوان “فهم الفروق الفردية تجاه مكافآت محددة من خلال الموسيقى“، تلك الدراسة التي تحدَّثْنا عنها ببداية المقالة وقد تناولت ظاهرة فقدان التلذذ بالموسيقى الخاص، وهذه هي أهم النقاط التي حملتها :

أولًا الموسيقى لا تلبي حاجة بيولوجية حتمية للبقاء كالطعام، وهكذا فإنّ آليات تقييمها كمكافأة تختلف عن المكافآت الأولية.

ثانيًا: لا تختلف هذه الدراسة مع ”ميلنر“ في أن الدوبامين ونظام المكافأة العام ضروريان، إلا أنها أثبتت أن المشكلة في “فقدان التلذذ الموسيقي الخاص” ليست في مركز المكافأة بحد ذاته، بل في “الانقطاع أو الضعف في الاتصال الوظيفي” بين مراكز الإدراك (الشبكة السمعية في التلفيف الصدغي الأيمن – STG) وشبكة المكافأة (النواة المتكئة – NAcc). وأشارت إلى أن القشرة الجبهية الحجاجية (OFC) تعمل كجسر تواصل بينهما، وهو ما يكون ضعيفًا لدى فاقدي المتعة الموسيقية.
أي أن النظام يعمل جيدًا، لكن “الأسلاك” التي تنقل إشارة الموسيقى إليه ضعيفة.13
ثالثًا: قدمت الدراسة ملاحظات حول أشكال مختلفة للتحسس الموسيقي فبعضهم لا يعاني مثلا من فقدان التلذذ بالموسيقى بل العكس تماما حيث لديه شغف مرضي بالموسيقى.
مثلا الميوزيكوفيليا (Musicophilia) —وهي سعي مفرط للذة المستمدة من الموسيقى— الوجه المضاد لفقدان التلذذ الخاص بالموسيقى “الأنهيدونيا الموسيقية” (Musical Anhedonia).
ضربت الدراسة عدة أمثلة لهذا الشغف المرضي الذي جاء على أسس التغيرات العصبية المرضية فمثلا:
وُثقت هذه الظاهرة في حالات إكلينيكية أظهر فيها الأفراد اهتماماً مفاجئاً، وغالباً ما يكون هوسياً، بالموسيقى في أعقاب تلف عصبي أو تناول أدوية معينة.
تقول الدراسة :

” وصف جاكوم (Jacome, 1984) مريضاً بدأ بالغناء والصفير العفوي المتكرر بعد إصابته باحتشاء (Infarct) أثّر على الفصوص الجبهية الأمامية الجانبية اليسرى، والصدغية الأمامية، والجدارية الأمامية. وتضمنت حالة أخرى مريضاً طوّر رغبة جامحة في الموسيقى بعد بدء العلاج بعقار لاموتريجين (Lamotrigine) المضاد للصرع، رغم أنه كان “غير مبالٍ بالموسيقى” قبل تناول الدواء
 وفي كتابه الذي يحمل العنوان نفسه، أورد أوليفرساكس (Oliver Sacks, 2007) حالتين لميوزيكوفيليا مكتسبة: إحداهما لشخص طوّر شغفاً بالموسيقى بعد تعرضه لصدمة كهربائية ناتجة عن ضربة صاعقة، ومريض آخر طوّرها بعد استئصال ورم في الفص الصدغي الأيمن. بالإضافة إلى ذلك، سجلت دراسة حالة أخرى مريضاً يعاني من اضطراب الوسواس القهري (OCD)، تحول من عدم الاكتراث بالموسيقى إلى السعي القهري للاستماع لأغاني “جوني كاش” بعد زرع التحفيز العميق للدماغ (DBS) في النواة المتكئة (Nucleus Accumbens – NAcc)“14



هذه الأمثلة تشير وتبيّن أن التحولات السلوكية ليست دومًا مبنية على أفكار وقناعات وأنماط ثقافية، فقد يقف وراءها ببعض الأحيان تغيرات مرضية بالدماغ شكّلت نوعا من التغير في حدة اللذة والتحسس مثل ما حدث بالقصص والأمثلة السابقة،
وأما بالنسبة لسؤالنا الذي طرحناه في بداية الموضوع:
هل من الممكن أن يستمع غيري للموسيقى فيدركها لكنه لا يطرب لها ولا يصل لأي درجة من النشوة لا لكونه بموقف فكري أو عقائدي ضدها بل لأنّهُ فعليًّا لا يشعر بأيِّ لذةٍ ولا يمكنه حتى تحديد الأغاني المفضلة لديه؟
فإن إجابته بكل تأكيد نعم، وأما تفاصيل الإجابة فهي كالتالي:
 توضح الدراسة أن عدم الاستمتاع بالموسيقى يمكن أن يحدث وذلك لثلاثة أسباب رئيسية15:

  1. عجز إدراكي للموسيقى (Amusia): خلل في إدراك النغمات بسبب ضعف التواصل في القشرة الجبهية الصدغية.
  2. خلل عام في نظام المكافأة: حيث يعاني الشخص من عدم القدرة على الاستمتاع بأي شيء (اكتئاب أو فقدان لذة عام anhedonia).
  3. فقدان التلذذ الموسيقي الخاص: وهو الحالة الفريدة التي يكون فيها الإدراك سليماً والمكافأة العامة سليمة، ولكن المتعة الموسيقية مفقودة, هذه الدراسة ترى أن هذا  الخلل يكمن في ضعف الاتصال الوظيفي والهيكلي بين مناطق المعالجة السمعية (التلفيف الصدغي الأيمن – STG) وشبكة المكافأة (النواة المتكئة – NAcc)
     ونظراً لعدم وجود اتصال مباشر بينهما، تلعب القشرة الجبهية الحجاجية (OFC) دور “المُحوّل” أو الجسر، والذي يكون ضعيفاً لدى هؤلاء الأشخاص.

    هذا النوع من فقدان التلذذ الخاص، قدمته الدراسة دليلا لإضافة جديدة حول نظام المكافأة العصبي، عبر تحويل التركيز من “المراكز” إلى “المسارات الحسيّة“ فالجديد والمهم جداً هنا هو إثبات أن الشعور بالمكافأة لا يعتمد فقط على “نظام المكافأة” (كما كان يُعتقد في عهد ميلنر)، بل يعتمد بشكل حاسم على كيفية معالجة المعلومات الحسية وتوجيهها وإيصالها إلى هذا النظام عبر مسارات اتصال محددة.

وقد اقترحت الدراسة لأول مرة أن مناطق مثل القشرة الجبهية الحجاجية (OFC) و”الجزيرة” (Insula) تعمل كبوابات تُدخل المعلومات الحسية عالية المعالجة إلى نظام المكافأة. هذا يعني أن كل حاسة (تذوق، سمع، إلخ) لها طريقها الخاص للوصول للمكافأة، وضعف أي طريق يؤدي لفقدان متعة محددة دون غيرها16.

الموسيقى والدوبامين

لا شك أن الكثير يخلط بين الناقل العصبي الكيميائي وبين الهوية الشعورية لهذا الشعور وذاك، مثلا يُطلق على الدوبامين بهرمون السعادة أو اللذة، مما يدفع للاعتقاد بأن الشعور يعتمد تماما على نوع واحد وطريقة عصبية محددة، وهذا بالطبع يتصادم مع الحقائق العلمية، التي ترى أن هناك ثمة رابط مؤكد لهذا الهرمون أو ذاك مع المسارات العصبية لكن تحديدًا لا يمكن جعلها كلها تماما هي كل هذا الشأن الذي يخص هذا الشعور، فهناك بالأساس ما لا يمكن إحصاءه من تداخلات عصبية وكيموحيوية في مسألة المكافأة لكن المعلوم للآن وجود مراكز متخصصة ومسارات تتشارك في تحقيق هذا النظام، أما مفهوم السعادة ذاته مثلا لا يمكن اختزاله أيضًا بمجرد تفاعلات كيموحيوية لمسارات عصبية، لأن ما سبق بٌنيةُ عملٍ أما طريقة الظهور أو الانبثاق للشعور فهو مازال لليوم مرتبط بما يُطلق عليه الفجوة التفسيرية،  ومن المؤكد أن هذا الارتباط بين ما هو عصبي وما هو شعوري، متداخلٌ وهما يؤثران على بعضهما البعض، وهنا يأتي فهمنا لنظام المكافأة بالدماغ وكيف يعمل، وهذا التاريخ في تطور معرفتنا به، يشير إلى أننا ننتقل للأعمق في فهم أنفسنا وعالمنا هذا.
تركت الدراسة التي ناقشناها عدة أسئلة مفتوحة للمستقبل كان من بينها :
هل الأنهيدونيا (فقدان التلذذ) الموسيقي النوعي (Specific Musical Anhedonia) سمة مستقرة، أم يمكن تعديلها من خلال التعرض، التدريب، أو التعديل العصبي (Neuromodulation)؟17



عصام مطير
– قراءات عصب-نفسية

🕶 كُن معنا!

ستصلك منشوراتنا كل أسبوع عن الجديد
والمثير بعالم الشعر والفلسفة

لن نرسل لك البريد العشوائي أو شارك عنوان بريدك الإلكتروني مطلقًا.
اقرأ المزيد في سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

0 0 الأصوات
تقييم الأعضاء
1 Ernest Mas-Herrero, Robert J. Zatorre, and Josep Marco-Pallarés, "Understanding individual differences to specific rewards through music," Trends in Cognitive Sciences 30, no. 2 (February 2026), https://doi.org/10.1016/j.tics.2025.06.015. رابط الدراسة
2 .Ibid., 175, 179
3 Ibid., 180
4 Morten L. Kringelbach and Kent C. Berridge, "The Functional Neuroanatomy of Pleasure and Happiness," Discovery Medicine 9, no. 49 (June 2010): 579–587
5 James Olds and Peter Milner, "Positive Reinforcement Produced by Electrical Stimulation of Septal Area and Other Regions of Rat Brain," Journal of Comparative and Physiological Psychology 47 (1954): 419, 421-423, 425.
6 Ibid., 425.
7 Ibid., 425.
8 Ibid., 426.
9 Arvid Carlsson, "A Half-Century of Neurotransmitter Research: Impact on Neurology and Psychiatry," Nobel Lecture (Stockholm: The Nobel Foundation, December 8, 2000), 303-306.
10 Peter M. Milner, "Brain-Stimulation Reward: A Review," Canadian Journal of Psychology 45, no. 1 (1991): 1, 9-10.
11 Ibid., 3, 7-11, 16, 21-22, 24-26
12 Mas-Herrero, Zatorre, and Marco-Pallarés, "Understanding individual differences," 175
13 Ibid., 181-182
14 Ibid., 179
15 Ibid., 178-179, 181-183
16 Ibid., 183
17 Ibid., 184

مقالات ذات صلة

الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
Rkayz

مجانى
عرض