هو عبءٌ على الحياة ثقيلٌ
من يظنُّ الحياةَ عبئًا ثقيلا
،
والذي نفسه بغير جمالٍ
لا يرى في الوجود شيئًا جميلا
#إيليا أبو ماضي، (ديوانه/ص ٦٠٤)
من قصيدته: فلسفة الحياة، التي اتجه بها للإرشاد الجمالي بالحياة والنصح الذي كأنه ”تطوير الذات اليوم“، لكن الشعر يلمح ويُدلي الرأي اقتضابًا ويعتمد على إيقاعه وقوة الكلمة في سياق الوجود الشعري والاتصال معه، وبالأساس فإن الشعر كان هو هذا الأسلوب في الحكم على الأشياء وتبيان الحكمة لقائله وإبراز خبرته بالحياة بصفته الأشد تأملا والأعمق تجربة، وعند العرب بالذات يغدو الشاعر حكيمًا ومنظّرًا ومربيًّا،
وما قول المتنبي مثلا :
وَمَنْ عَرَفَ الأيَّامَ مَعْرِفَتِي بهَا
وبالنَّاسِ روَّى رُمْحَهُ غَيْرَ رَاحِمِ
سوى ترجمة لهذا المشهد الشعري العام الذي يقدم الشعر للمجتمع عبر الشاعر، فهو أسلوب الكشف عن الموقف الوجودي من الحياة والناس، ورؤية العالم، وهذا كثير عند العرب
ومازل لليوم حتى بالشعر العامي، يستشهد الناس بشعر الحكمة في نقاشاتهم ويطل الشاعر على الناس لتبيان رؤيته وحكمه على هذا العالم وهذا امتداد لأعمال الشعر العربي منذ أن كان، وهو بلا شك شأن شعري عام..
يقول الشاعر الويلزي ديلان توماس، محددا جيد الشعر متحدثا عنه:
"القصيدة الجيدة تساعد على تغيير شكل الكون ودلالته، وتساهم في توسيع معرفة كل امرئ بنفسه وبالعالم من حوله."— ديلان توماس (Dylan Thomas)
باليونان أيضًا
كان هذا المشهد العام للشعر والشاعر مشابها لما يحدث عندهم
فما قصة أفلاطون الفيلسوف الذي شن هجمة على الشعر والشعراء إلا مثالا على قوة حضور الشعر بالأساس فيهم، وإن عاب أفلاطون "إيون" مؤدي وراوي الشعر، بمحاورته مع سقراط، وأنّ راوية الشعر وناقده لا يعرفان معرفة حقيقية وأنهما يتبعان الشاعر الذي يتكلم عن أشياء
لا يعرفها فيتحدث عن الحرب وهو جاهل بها مثلا.
ليس ما قاله أفلاطون يصح في كافة المعارف التي يصدح بها الشعر، خصوصا أن التجربة الحياتية أكبر بكثير من المعرفة العلمية أو حتى المهارية.
الشأن في النظر للعالم والوجود، يغدو مسألةً مرتبطة بالأفق الذي ننطلق منه، وهذا الأفق تشكله العقيدة الخاصة بالمرء التي يستشفها من تجاربه الحياتية:
دينه ومذاهبه وممارساته الخاصة به كما يفعلها وتخصه تحديدا، علاقاته وما يراه أجود من غيره، طريقة تفاعلاته وتفضيلاته، ومواقفه الفكرية الذاتية التي يشعر بها ويعيشها، ولا شك أن هذه العقيدة الحياتية بالتزامن مع طاقة جسده قد تتبدل أو تتغير بفعل التحسن أو التردي جسدي.
مثل هذا الأفق لا يتفاعل بأسلوب هندسي أو علمي، بل بأسلوب يشابه التجربة الحياتية أي عبر الشعر، إنه الالتزام بمفاتيح الذات عبر الكلمات والجمل بإيقاعها الخاص، لا لتُحفظ بمجتمع كانت الثقافة الشفهية سائدة به فقط بل لأن الذات ينفذ إيها الكلام الملحّن هنا أو ذو الوزن بطريقة تتناسب مع وجودها هي، فهي بديناميكية وتفاعلية في التلقي والتأثير لا أظنها إلا بحرًا لا تشق عبابه السفن إلا بحركتها المتموجة والمهتزة والمتناسبة مع الموج في حراكه ومده وجزره، وبهذا فالشعر بمثل هذه الظروف وأيضًا أي كلام بها من المجاز والانزياح الدلالالي وحتى الإيقاعي البسيط، سيكون ملائمًا جدًا للتأثير والوصول لمعرفة ما، وأمّا البرهان والحساب والعلوم الصارمة ومنها أيضًا الجدل الفلسفي، فله عقول خاصة ومتطلبات اجتماعية إضافية، وتنشئة ذهنية أكبر، وهذا بالتالي ما يثبت بأن الشعر في ظهوره كان وسيلة للمعرفة تتناسب مع المشترك الإنساني الأشمل: الحياة وعلاقتها التفاعلية مع الوجود.
للحديث بقية

