الإشعارات
مسح الكل

شرح ظاهرة الألم في فلسفة العقل- سول كريبكي


عصام مطير
التعبير
المقام الثاني
Points: 2460329
المشاركات: 177
Admin
بداية الموضوع
(@essammutair)
Reputable Member
انضم: منذ 14 سنة

-إن الإحساس يقودنا إلى الشيء أما الألم فلا يقودنا إلى شيء آخر لأنه هو الشيء نفسه-

هذا المعنى كان قد شنَّ الفيلسوف ”سول كريبكي" هجمة على أطروحة الهوية الصارمة بفلسفة العقل، من خلاله، ولتقريب ما يقصده إليكم الشرح:

أولًا- ما هي نظرية الهوية المادية؟

هي إحدى أهم الأطروحات التأسيسية في فلسفة العقل المعاصرة خلال القرن العشرين، وتُعرف أيضاً بـ Mind-Brain Identity Theory أو Type Identity Theory

تهدف النظرية إلى تقديم حل فيزيائي صارم لـ "مشكلة العقل والجسد" (Mind-Body Problem) عبر اختزال الحالات الذهنية اختزالاً أنطولوجيًا كاملاً إلى حالات فيزيائية دماغية.
تقول النظرية باختصار: كل "طراز" (Type) من الحالات الذهنية مطابق تمامًا لـ "طراز" محدد من الحالات العصبية في الدماغ.

على سبيل المثال:
لا تقول النظرية إن "الشعور بالألم مرتبط بنشاط ألياف C" مجرد مجاورة أو تلازم نفسي-فيزيائي بل تقول إن الألم هو عين اشتعال ألياف C العصبية.
هاجم الفيلسوف سول كريبكي هذا التصور.

ثانيًا- شرح مبسط عن ظاهرة الألم:

حين يشتكي أحدنا من ألم فهو الوحيد الذي يشعر به وهو أيضا الشعور الذي لا يمكن ان ننكره لأنه خاص بصاحبه لا يوجد دليل خارجي نستند عليه لنقول ان هذا الالم غير موجود، كما ان أي ألم أشعر به الآن أو تشعر به أنت لابد أن يكون ألما، إذن الألم ذاتي دائمًا، ولا ينفصل وجوده عن الشعور به. 

ولهذه الحقيقة وجهان: سريري وفلسفي.

١. سريريًّا، كلّ ألمٍ يشتكي منه المريض هو ألمٌ واقع، وإن لم نعثر على أضرار نسيجية تُفسِّره.
فوجود الألم لا يتوقّف على دليلٍ خارجيّ أو إصابةٍ نسيجية تثبته، بل على كونه خبرةً ذاتية معيشة.
إنه يشعر بألم، وجدنا الضرر النسيجي أم لم نجده  ومن هنا يَتميّز الألم عن التنبيه الأذيّ (Nociception) العصبي: فقد يوجد ضررٌ نسيجي من دون ألم، كما قد يوجد ألم من دون ضررٍ نسيجيّ،
ولذلك يبقى التقريرُ الأوّل-شخصيّ من منظور الشخص الأول ونعني بذلك صاحبه وبالتالي فتقريره عنه هو المرجع الحاسم في إثبات وجود الألم.

٢.فلسفيًّا، انطلق سول كريبكي (Saul Kripke) من هذه الخصوصية في نقد نظرية الهوية المادية (Type Identity Theory)، أي الأطروحة القائلة إن الألم ليس إلا اشتعال ألياف C (C-fiber firing) العصبية

تمتد قوة هذه الحجة، ضد فلاسفة الهوية المادية، بمنطقها كما يرى بعض الفلاسفة لتشمل بعض صيغ الوظيفية (Functionalism)، لأنها تجعل العلاقة بين الحالة الفيزيائية أو الوظيفية والخبرة الشعورية علاقة يمكن تصور انفكاكها.

ثالثا - شرح مبسط لفلسفة ”سول كريبكي“ بالرد على نظرية الهوية عبر ظاهرة الألم :

يظهر الفرق جليًّا عند مقارنة الألم بالحرارة بقطعة حديد ملتهبة
 فالحرارة هي متوسط الطاقة الحركية لجزيئات المادة، غير أن الإنسان لم يتعرّف إليها ابتداءً إلا عبر الإحساس الذي تُحدثه فيه.

لذلك كان الإحساس طريقًا معرفيًا إلى مرجع لفظ «الحرارة»، لا جزءًا من ماهيتها،
ومن ثمّ يمكن أن توجد حرارةٌ وإن لم يشعر بها أحد؛ فقطعة الحديد المتوهجة تلك تبقى حارّةً سواء وُجد مُدرِكٌ لها أم لم يوجد.

 ولهذا إذا تخيّلنا ”حرارةً بلا حركةٍ جزيئية“، فإننا لا نتخيّل الحرارة نفسها، بل شيئًا آخر يُنتج الإحساس ذاته، إذ إن الفجوة هنا قائمة بين المظهر الحسيّ والواقع الفيزيائي
 أما الألم فالأمر فيه مختلفٌ من الأساس، إذ ليس الإحساس بالألم علامةً على الألم، ولا أثرًا يكشف عنه، بل هو الألم نفسه.
فاسم ”الألم“ لم يُثبَّت مرجعُه بواسطة أثرٍ خارجيّ منفصلٍ عنه، وإنما ثُبِّت مباشرةً بخبرته الظاهراتية (Phenomenal Experience) نعني بذلك تجربتك له
ولذلك لا توجد هنا فجوةٌ بين المظهر والجوهر يمكن العبور منها كما في حالة الحرارة، ومن هنا يظهر الفارق الحاسم:
 فارتباط الحرارة بالإحساس بها ارتباطٌ عرضيّ إذ يمكن أن توجد حرارة من دون أن يشعر بها أحد.
 أما الألم، فارتباطه بالشعور به ارتباطٌ ضروري، فلا يمكن تصور ألمٍ غير محسوس بوصفه ألمًا،
 ولهذا لا يستطيع المدافع عن نظرية الهوية أن يجيب، بأننا حين نتصور ”ألمًا دون اشتعال ألياف C“ فإننا لا نتصور الألم نفسه، بل شيئًا آخر يُحدث الإحساس به؛ لأن الإحساس بالألم ليس أثرًا منفصلًا عنه، بل هو عين الألم.

في مثال الحرارة كان المدافع عن نظرية الهوية يجيب على الطرح الذي يقول :

"إننا نستطيع بسهولة أن نتصور حالة توجد فيها حرارة ولكن دون وجود أي حركة جزيئية (عالية الطاقة الحركية)"، حين يحاول الخصم استخدام هذا التخيل لدحض الهوية الضرورية بين الحرارة وحركة الجزيئات يجيب المدافع عن نظرية الهوية بالخطوات التحليلية الآتية:

١.التمييز بين المظهر والماهية:
 إن هناك تمييزًا حاسمًا بين ماهية الحرارة الفيزيائية (وهي حركة الجزيئات) وبين طريقة تعرُّف الإنسان عليها (وهي الإحساس بالحرارة).
تفسير وهم التخيل:
عندما تدّعي أنك تتخيل حرارة بلا حركة جزيئية، فأنت في الحقيقة تخدع نفسك معرفيًا. إنك لا تتخيل حرارةً حقيقية تفتقر لحركة الجزيئات، بل تتخيل ظاهرةً أو سائلًا فيزيائيًا آخر (كعنصر كاليوري مفترض) يُحدث في أجهزة حسك نفس الإحساس بالحرارة الذي تحدثه الحرارة الحقيقية".

٢.تثبيت الهوية الضرورية:
 وبما أن الإحساس بالحرارة هو مجرد أثر عرضي ووسيلة معرفية لتثبيت المرجع (Reference-Fixer) وليست هي الحرارة ذاتها، فإن الحرارة هي حركة الجزيئات في كافة العوالم الممكنة، وما تخيلته هو مجرد ظاهرة مختلفة أحدثت نفس الأثر الحسي.

سول كريبكي يضرب النظرية تلك بحجته بمثال الألم ولا يمكن للمدافع عنها ان يجاوب بالطريقة التي جاوب فيها على مثال الحرارة، فمثال الألم ناقشهم فيه بالآتي :

يرى كريبكي أن مصطلحات مثل "الألم" و"تحفيز ألياف C" هي "دوال ثابتة" (Rigid Designators)، أي أنها تشير إلى نفس الشيء في كل العوالم الممكنة. وبناءً على ذلك، إذا كان الألم هو فعلاً تحفيز ألياف C، فيجب أن تكون هذه الهوية ضرورية؛ أي يجب أن يكون من المستحيل أن يوجد أحدهما دون الآخر في أي عالم ممكن.
 يطرح كريبكي حجته المنطقية (إمكانية الانفصال المنطقي) كما يلي:
إذا كان الألم = تحفيز ألياف C، فمن الضروري أن يكون الألم = تحفيز ألياف C في كل العوالم الممكنة.لكننا نستطيع أن نتصور (وبالتالي من الممكن منطقياً) وجود تحفيز لألياف C دون حدوث أي شعور بالألم، أو وجود شعور بالألم دون حدوث هذا التحفيز الفيزيائي المعين.إذن، العلاقة بينهما ليست ضرورية.

النتيجة: الألم لا يطابق (ليس هو نفسه) تحفيز ألياف C.

السؤال الآن لماذا لا يمكن اعتبار هذه الإمكانية مجرد وهم؟ (وهم الإمكانية الإبستمولوجية)؟

 قد يعترض أنصار النظرية المادية قائلين: "كما أننا كنا نظن قبل اكتشاف العلم أن الحرارة قد لا تكون حركة الجزيئات، وكنا نظن أن هذا ممكن، فهذا مجرد وهم ناتج عن نقص المعرفة. والأمر نفسه ينطبق على الألم والدماغ".

هنا يوضح كريبكي الفارق الجوهري: في حالة الحرارة، نحن نعرّف الحرارة بناءً على خاصية عَرَضية (وهي الإحساس الذي تسببه لنا)، ولذلك يمكننا تصور موقف (عالم ممكن) توجد فيه حركة جزيئات لكن لا نشعر بها كحرارة
 أما في حالة الألم، فالأمر مختلف تماماً.
الألم لا يُعرَّف بخاصية عَرَضية، بل يُعرَّف بـ جوهره الظواهري (كيف نشعر به). الشعور بالألم هو الألم نفسه، لا يمكن أن تكون في حالة وعي مطابقة تمامًا للشعور بالألم دون أن يكون لديك ألم.
 الألم يختلف عن الماء أو الحرارة في أنه "لا يوجد شيء يمكن أن يكون مطابقًا نوعياً للألم إلا ألم آخر"
ولذلك، فإن إمكانية وجود الحالة الفيزيائية دون ألم هي إمكانية حقيقية وليست مجرد نقص في المعرفة.

ومن ثمّ يظل تصور الألم من دون اشتعال ألياف C تصورًا متماسكًا، بينما ينهار الادعاء بأن بينهما هويةً ضرورية وبالتالي فإن أطروحة فلسفة الهوية المادية عليها أن تقدم ما يثبت صحتها التفسيرية…

مستقبلا سننشر قراءة موسوعية لفلسفة سول كريبكي...

pain 12 2

 


شارك:

🕶 كن معنا !

الإبداع ثقافة وتواصل . اشترك للحصول على أحدث منشوراتنا الأسبوعية في صندوق الوارد الخاص بك. لن نرسل لك بريد عشوائي هذا وعد. أعرف المزيد في سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
Rkayz

مجانى
عرض