رمضان في الأندلس
 
الإشعارات
مسح الكل

نصوص رمضان في الأندلس

ماهر عمر الديرباني avatar
(@maher_omar)
Active Member Registered
المقام العاشر
Points: 1448
انضم: منذ 3 أشهر
المشاركات: 6
بداية الموضوع  

إن شهر رمضان في الاندلس شهرًا تتلاقى فيه التلاوة مع الفلسفة والدمعة مع القصيدة والمحراب مع المدرسة، حتى بدا كأنّ المدن الأندلسية تولد من جديد كلّ ليلة مع أذان المغرب .. كان رمضان ظاهرة حضارية كاملة تتبدّل فيه إيقاعات الحياة وتُزهر فيه الأسواق وتعلو فيه منارات العلم وتفيض القلوب خشوعًا.
دخل الإسلام الأندلس سنة 92هـ على يد طارق بن زياد، وتتابعت الفتوح حتى استقرّ الحكم الإسلامي، ومع استقرار الدولة استقرّت الشعائر؛ فكان رمضان أول اختبارٍ روحيٍّ للمجتمع الجديد، حيث اجتمع العرب والبربر وسكان البلاد الأصليون تحت نداءٍ واحد: حيَّ على الصلاة...وتذكر كتب التاريخ أن المساجد كانت تمتلئ بالمصلين حتى يفيض بعضها إلى الساحات، خصوصًا في قرطبة التي غدت درّة الغرب الإسلامي، وفي جامعها العظيم مسجد قرطبة كان الناس يقضون ليالي رمضان بين تلاوةٍ وقيامٍ ودروس، نور المصابيح وهمس القرآن ويصف المؤرخون أن مسجد قرطبة كان يُضاء بآلاف القناديل في ليالي رمضان، حتى قيل إن نوره يُرى من بعيد كأنه كوكبٌ في الأرض .. وكان الخلفاء يتنافسون في تعمير المساجد وتزيينها، لا طلبًا للزينة، بل تعظيمًا للشعيرة
وفي زمن عبد الرحمن الناصر بلغت قرطبة أوج عظمتها، وكانت ليالي رمضان فيها مزيجًا من العبادة والعلم؛ فبعد التراويح تُعقد حلقات الفقه والحديث ويتدارس الناس القرآن ويجلس الطلاب حول شيوخهم حتى قبيل السَّحر.
وقبل أذان المغرب بساعات، كانت الأسواق تعجّ بالحركة من باعة التمر والخبز، وصانعو الحلوى الأندلسية، وأصحاب العطور الذين يرشّون الطرقات بماء الورد
وكان الناس يحرصون على تعجيل الفطر، اقتداءً بسنّة النبي صلى الله عليه وسلم، فيُسمع صوت المدفع في عصور لاحقة أو يُرفع الأذان من أعالي المنارات وفي تلك اللحظة، تسكن الضوضاء فجأة وتتحول المدينة إلى سكينةٍ عجيبة؛ كلُّ بيتٍ يتحوّل إلى محراب ..ويُروى أن بعض أهل قرطبة كانوا يرسلون أطباق الطعام إلى جيرانهم قبل الإفطار، حتى لو لم يعرفوهم معرفةً وثيقة؛ فكان رمضان موسم تكافلٍ اجتماعيٍّ حقيقي.
وكان رمضان شهرًا للنشاط العلمي فقد اعتاد العلماء أن يُكثفوا دروسهم في هذا الشهر الفضيل ومن أعلام الأندلس الذين عُرفوا بالجد والاجتهاد ابن حزم الأندلسي، الذي عُرف بصرامته في العبادة وحرصه على العلم، وكان يقضي رمضان بين الصلاة والبحث والتأليف...وكذلك القاضي ابن رشد، الذي كان يوازن بين عمله في القضاء وطلب العلم، ويحرص على حضور الجماعة والقيام.
أما في مملكة غرناطة آخر معاقل الإسلام في الأندلس كانت المساجد تمتلئ بالفقهاء والقراء، خصوصا في مسجد قصر الحمراء حيث كانت الساحات تُضاء وتُقام فيها دروس التفسير في العشر الأواخر.
وأما الشعر في رمضان كانوا الشعراء يصفون الهلال ويستقبلون الشهر بقصائد عامرة بالرجاءويُروى أن بعضهم كان يقول عند رؤية الهلال:
أتاك هلالُ الخيرِ يلمعُ في الدجى
فقم يا فؤادي للعبادةِ وانطرحْ
فهذا زمانُ الصفحِ فازرعْ توبةً
لعلَّ إلهَ العرشِ عنك يصْفَحُ
وكانت المجالس الأدبية تتوقف عن اللهو في رمضان وتتحول إلى مجالس ذكرٍ وقراءة قرآن.وفي العشر الأواخر، كان الإقبال يشتدّ.. يعتكف بعض الناس في المساجد وتُغلق أبواب الترف وتُفتح أبواب الرحمة وتصف بعض المصادر أن النساء كنّ يخرجن في ليالي القدر إلى المساجد في هدوءٍ ووقار ويجلسن في أماكن مخصصة لهنّ، يسمعن القرآن وتفيض أعينهن بالدمع
وكان الخلفاء أنفسهم يشاركون الناس القيام، تواضعًا لله، حتى إن بعضهم كان يلبس لباسًا بسيطا لا يُعرف به بين المصلين.
ولم تدم تلك المشاهد إلى الأبد... ففي سنة 897هـ سقطت غرناطة، وطُويت صفحة الإسلام في الأندلس.



   
اقتباس
شارك:

🕶 كن معنا !

الإبداع ثقافة وتواصل . اشترك للحصول على أحدث منشوراتنا الأسبوعية في صندوق الوارد الخاص بك. لن نرسل لك بريد عشوائي هذا وعد. أعرف المزيد في سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
Rkayz

مجانى
عرض