يقال أن أوروبا لم تعرف الحب الرومنسي إلا في القرن الثاني عشر، وهو تصورٌ جاء من تحليلات مبنية على أنّ الانفعالات والعواطف العليا متأثرة بالثقافة، وأن الشعر الرومنسي لم تعرفه أوروبة إلا منذ ذاك الحين أو بعده.
في حين الشعر العربي كشف لنا عن أهم صفاتنا العرقية؛ يقول مجنون ليلى:
سألتُ مراد الحيّ لما أتيتهُ
وأخبرتُهُ ما قد جرى ودهاني
،
وقلتُ له أين الذين عهدتهم
ببطنكَ في طِيبٍ وحسن أمَانِ
،
فقال: مضوا واستودعوني ديارهم
ومن ذا الذي يبقى على الحدثانِ
،
مجنون ليلى، - مراد اسم جبل، وفي رواية أخرى:
وأجهشتُ للتوباد حين رأيتُهُ ...
وكبّر للرحمن حين رآني
وأذريتُ دمعَ العين لما رأيتُه ...
ونادى بأعلى صوتهِ فدَعاني
،
فقلتُ له أين الذين عهدتهم ...
حواليكَ في أمن وخصب زمان!
فقال مضوا واستودعوني ديارهم ...
ومن ذا الذي يبقي على الحدثان!
يرى المؤرخون بأن الحب الرومنسي ونعني به هذا المسار بالغرام الذي يُنظر إليه مقدسًا وغايةً (يُطلق عليه الحب البلاطي) لم يكن في أوروبا من الأساس بل جاء عبر شعراء التروبادور (Troubadours) جنوب فرنسا (الذين بالطبع كان تأثير شعراء الأندلس بثقافة العرب الغرامية لهم دور في ميلهم ذاك)
أما ما كان من شعر (أوفيد) بفن الهوى فكان من الحب الجسدي المنبوذ أخلاقياً كما يصفه المناصرون لنظرية تباين الانفعالات وفق الثقافة واللغة، وخاصة بمجتمع عن مجتمع لذلك فشعره حينها لم يكن يعبّر عن عشق كما لدى العرب (الحب العذري أو غيره من أشكال كان الشعراء العرب متيّمين بها).
يتحدث سي. إس. لويس في كتابه (The Allegory of Love)
بأن شعراء القرن الحادي عشر والثاني عشر في فرنسا "أوجدوا" أو "اخترعوا" نوعاً جديداً من العاطفة لم يكن موجوداً في الأدب الكلاسيكي القديم ويعني بذلك قد منح هؤلاء بعدا جديدا وشكلا ثقافيا تعبيريا لهذا الظهور للحب في المجتمع يقول لويس:
"يبدو أن الشعراء الفرنسيين في القرن الحادي عشر قد اكتشفوا أو اخترعوا، أو كانوا أول من عبر عن، ذلك النوع الرومنسي من العاطفة الذي لا يزال شعراء الحب لدينا يكتبون عنه".
في كتاب ما الانفعال؟، مقدمة قصيرة جدًا، ينقل لنا المؤلف”ديلان ايفانز” عن تقسيمات للانفعالات:
١.انفعالات اساسية موحدة بين البشر (الفرح، الضيق، الغضب، الخوف، الدهشة) وهي بأسس جسدية بيولوجية،
٢.انفعالات معرفية عليا:
وهي انفعالات تنمو ببطء، مثلا الحب الذي ينمو بالاحتكاك مع الزمن، فهذا ما يغلب فيه مع إمكانية الحب من أول نظرة وهو نادر وقليل.
يقول داليان:
“وﺣﻘﻴﻘﺔ أن اﻻﻧﻔﻌﺎﻻت المعرفية اﻟﻌُليا أﻛﺜﺮ ارﺗﺒﺎﻃًﺎ ﺑﺎﻟﻘﴩة المخية
ﻣﻦ اﻻﻧﻔﻌﺎﻻت اﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﺗﻌﻨﻲ أﻧﻬﺎ أﻛﺜﺮ ﻋﺮﺿﺔ ً ﻟﻠﺘﺄﺛﱡﺮ ﺑﺎﻷﻓﻜﺎر اﻟﻮاﻋﻴﺔ، وﻫﺬا ﺑﺪوره ﻳُﺘﻴﺢ
ﻟﻼﻧﻔﻌﺎﻻت المﻌﺮﻓﻴﺔ اﻟﻌ ُ ﻠﻴﺎ أن ﺗﻜﻮن أﻛﺜﺮ ﺗﻔﺎوﺗًﺎ ﻣﻦ ﺛﻘﺎﻓﺔ ٍ ﻷﺧﺮى ﻣﻘﺎرﻧﺔ ً ﺑﺎﻻﻧﻔﻌﺎﻻت
اﻷﺳﺎﺳﻴﺔ. ورﻏﻢ ﺗﺒﺎﻳُﻦ اﻻﻧﻔﻌﺎﻻت المﻌﺮﻓﻴﺔ اﻟﻌ ُ ﻠﻴﺎ وﻓﻘ ً ﺎ ﻟﻠﺜﻘﺎﻓﺔ، ﻓﺈﻧﻬﺎ ﺗﻈﻞﱡ ﻋﺎلمﻴﺔ. وﻋﲆ ﻏﺮار
اﻻﻧﻔﻌﺎﻻت اﻷﺳﺎﺳﻴﺔ، ﻓﺈن اﻻﻧﻔﻌﺎﻻت المﻌﺮﻓﻴﺔ العليا ﻫﻲ ﺟﺰء ﻣﻦ اﻟﻄﺒﻴﻌﺔ البشرية اﻟﺘﻲ
ﺷﻜﱠﻠﻬﺎ ﺗﺎرﻳﺨﻨﺎ اﻟﺘﻄﻮري المشترك.”
تشمل الانفعالات المعرفية العليا : الحب، الحسد،الشعور بالذنب، الخزي، الإحراج، الفخر
٣.الانفعالات التي تخص الثقافات:
وهي الانفعالات التي تكون فقط في مجتمع محدد، ولا يشعر بها مجتمع آخر وهي مرتبطة بثقافة معينة وقد ضرب “جريفيث” مثالا له تكلم عنه مؤلف كتاب "ما الانفعال":
ﺛﻤﺔ اﻧﻔﻌﺎل ﺗﻨﻔﺮد ﺑﻪ ﻗﺒﻴﻠﺔ اﻟﺠﻮروروﻣﺒﺎ ﰲ ﻏﻴﻨﻴﺎ اﻟﺠﺪﻳﺪة ﻻ ﻳَﺨﺘﱪه
أﺷﺨﺎص ٌ ﻣﻦ ﺛﻘﺎﻓﺎت أﺧﺮى. وﻫﻮ ﺣﺎﻟﺔ اﻧﻔﻌﺎﻟﻴﺔ ﺗُﻌﺮَف ﺑﺎﺳﻢ »اﻟﺘﴫف ﻛﺨﻨﺰﻳﺮ ﺟﺎﻣﺢ« ﻷن
اﻷﺷﺨﺎص اﻟﺬﻳﻦ ﻳﺨﺘﱪوﻧﻬﺎ ﻳﺘصرﻓﻮن ﺗﻤﺎﻣﺎ ﻣﺜﻞ اﻟﺨﻨﺎزﻳﺮ اﻟﺠﺎﻣﺤﺔ: ﻓيرﻛﻀﻮن ﺑﻬﻤﺠﻴﺔ،
وﻳﻨﻬﺒﻮن أﺷﻴﺎء ﺿﺌﻴﻠﺔ اﻟﻘﻴﻤﺔ وﻳُﻬﺎﺟﻤﻮن اﻟﺤﺎﴐﻳﻦ ﰲ المكان.”
---------
الحب الرومنسي،
بصفته انفعالا اجتماعيا وثقافيا نشأ في القرن الثاني عشر في اوروبا يتحدث عنه "ديلان ايفانز" بكتابه "ما الانفعال" ناقلا وجهات نظر غيره :
"ﰲ ﻣﻘﻮﻟﺘﻪ اﻟﺸﺎﺋﻌﺔ، ﻳﻘﻮل ﻓﺮاﻧﺴﻮا دو ﻻ روﺷﻔﻮﻛﻮ إن »ﺑﻌﺾ اﻟﻨﺎس ﻟﻢ
ﻳﻜﻮﻧﻮا ﻟﻴﻘﻌﻮا ﰲ اﻟﺤﺐ ﻟﻮ ﻟﻢ ﻳﺴﻤﻌﻮا ﻋﻨﻪ ﻗﻂ.« ﺑﻞ ذﻫﺐ إﱃ أﺑﻌﺪ ﻣﻦ ذﻟﻚ أوﻟﺌﻚ المﻌﺘﻘﺪون
أن اﻟﺤﺐ اﻟﺮوﻣﺎﻧﴘ اﻧﻔﻌﺎل ﺧﺎص ﺑﺎﻟﺜﻘﺎﻓﺔ؛ ﻓﺰﻋﻤﻮا أﻧﻪ ﻟﻦ ﻳﻘﻊ أﺣﺪٌ ﰲ اﻟﺤﺐ إذا ﻟﻢ ﻳﺴﺒﻖ
ﻟﻪ أن ﺳﻤﻊ ﻗﺼﺼًﺎ روﻣﺎﻧﺴﻴﺔ.
ﻛﺎن أﺷﻬﺮ المﺆﻳﱢﺪﻳﻦ ﻟﻬﺬا اﻟﺮأي اﻟﻜﺎﺗﺐ ﳼ إس ﻟﻮﻳﺲ اﻟﺬي زﻋﻢ أن اﻟﺤﺐ اﻟﺮوﻣﺎﻧﴘ
اﺑﺘُﻜ ِ ﺮ ﰲ أوروﺑﺎ ﰲ أواﺋﻞ اﻟﻘﺮن اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻋﴩ. ﻓﻔﻲ ذﻟﻚ اﻟﻮﻗﺖ، أﺻﺒﺢ (اﻟﺤﺐ اﻟﻨﺒﻴﻞ) المﺤﻮر
اﻟﺮﺋﻴﴘ ﻟﻜﺜيرٍ ﻣﻦ ﻗﺼﺎﺋﺪ اﻟﺸﻌﺮ اﻷوروﺑﻲ. ﻓﻔﻲ اﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ اﻟﻘﺼﺎﺋﺪ، ﻳﻘﻊ ﻓﺎرس ﻧﺒﻴﻞ ﰲ
ﺣُﺐ ﺳﻴﺪة ﻣﻦ اﻟﺒﻼط المﻠﻜﻲ. ﺛﻢ ﻳُﺼﺒﺢ ﻓﺎرﺳﻬﺎ وﻳﻜﺮس ﺣﻴﺎﺗﻪ ﻟﺨﺪﻣﺘﻬﺎ، ﻟﻜﻦ ﻗﻠﱠﻤﺎ ﻳُﻜﻠﱠﻞ
ذﻟﻚ اﻟﺤﺐ ﰲ اﻟﻨﻬﺎﻳﺔ ﺑﺎﻟﺰواج. وﻟﻌﻞ أﺷﻬﺮ ﻗﺼﺔ ٍ اﻧﺒﺜﻘﺖ ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﻨﻮع اﻷدﺑﻲ ﻫﻲ ﻗﺼﺔ
ﺣﺐ ﻻﻧﺴﻠﻮت ﻟﺠﻮﻳﻨﻴﻔير زوﺟﺔ المﻠﻚ آرﺛﺮ."
—
وبعيدا عما قاله إيفانز"، فقد عرف العرب بثقافتهم اللغوية الشعرية بالحد الذي تحدث عنه جوستاف لوبون بكتابه حضارة العرب في أهم صفة لهم قوله :
“ولم يكن لغوًا قول بعضهم ، إن العرب وحدهم قرضوا من الشعر ما لم تقرضه أمم العالم مجتمعة”
-جوستاف لوبون- حضارة العرب
ومن المعروف أن الغزل وقصائد العشاق، يمثلون مكانة كبرى بشعر العرب، وهو يعبّر عن الحب الرومنسي بعدة معان له، وقد عرفوه قبل أوروبا والتزموا فيه بأدبهم، مما يكشف لنا جانبًا كان قد اعتقد بعض المعاصرين أن شعر العرب حسي لا يحمل عمقا جماليا كما نجد في الأدب الأوروبي، لنرى أن الأمر مختلف من جهة الحب الرومنسي فقد عرف العرب ما لا يعرفه الأوروبيون إلا بعد احتكاكهم بالشعر والثقافة العربية بالأندلس، فما اعتقده “لويس” اختراعا ثقافيا كان بالأساس تأثر ثقافي بأمة أخرى،
والعرب امتلكوا "طريقة لرؤية العالم" عبر شعرهم الغزلي المعقد،إذ من خلال الشعر وقيمته الاجتماعية وتراكم وجوده وانعكاسه عليهم كما كانوا يعكسون انفعالاتهم عليهم، امتلكوا "الحب الرومنسي" بمفهومه المعرفي العالي قبل أوروبا.
—
للحديث نقاشات أخرى مستقبلا، وهذا تأمل وقراءة أولية..

