Poleva Olesia رسمة الفنانة الأوكرانية المعاصرة

أيتام المتنبي ، التقليدية وآثامها

Poleva Olesia رسمة الفنانة الأوكرانية المعاصرة

لأن النفس البشرية عبارة عن صراعات مستمرة بين أطراف متعددة تشمل كل من معرفتك الحالية وشعورك الآن وما تلاشى منهما ونالته الذاكرة ، ووعيك الذي ينظم وجودك بذاتك وينظم وجودك في غيرك، والحرية الغاضبة التي تعيشها أعماقك ضدك حيث تظل متشككة وناقمة على طريقة إدارتك الواعية لوجودك ككل ، فإنك حين تُصدم بألم لا تتوقعه ، تتقدم أعماقك التي تمثل القوة الأكبر بالصراعات في حربها على طريقة إدارتك وتشعرك بثورتها …
إنه لمن المعلوم من الحياة بالضرورة بأن الألم الذي لا تتصور قدومه نحوك ، أو لم تعتد عليه ، أو جاءك ممن تثق فيه ، أشد مرارة وعذابًا من ألم تتوقع قدومه أو اعتدت على وجوده ، وبما أن الشعر هو تاريخ الألم البشري فلدينا فيه ما تحدث عن مثل هذا فهذا طرفة بن العبد يقول:
وظلم ذوي القربى أشد مرارة 
على المرء من وقع الحسام المهنّدِ 

ويقول الشريف الرضي:
وشَرُّ الأَذى ما جاءَ مِن غيرِ حِسبَةٍ ..
وكيدَ المُبادي دونَ كَيدِ المُداهِنِ
،
وإِنَّ بُلوغَ الخَوفِ مِن قَلبِ خائِفٍ
لَدونَ بُلوغِ الخَوفِ مِن قَلبِ آمِنِ

إن النفس البشرية ، تحت سلطة التوقع والتصور  وهي سلطة عقلية/معرفية ، تقوم بمنح الأشياء والمعاني درجات الشعور وما أن تخالفها الوقائع يفلت من الحد الموضوع كمية قد لا يستطيع المرء الصبر عليها ، ولهذا كان المرء مستندًا على من حوله ليضبط هذه السلطة ويتقن تحديد الكمية أي وجوده في غيره الذي سيقلل من تقدم الأعماق الغاضبة في النفس البشرية وثورتها ، إلا أن هذه الطريقة أنشأت إشكالية التقليدية في التفكير والسلوك والشخصية ، بالإضافة لعوامل أخرى مختلفة .

لقد صنع حذرنا من الصدمة وخشية انفلات مشاعرنا وزيادة آلامنا خللًا في تركيبتنا النفسية/الاجتماعية يتمثل بغرقنا بالتقليدية ، انحيازنا الواضح للتكرار وتمسكنا المبالغ فيه باجترار ماضينا أو حتى ماضي غيرنا ، أقصد الاحتذاء والانبهار بالمستورد وعدم استغلال نزعتنا المرضية/العبقرية بالشك بحسن الآخرين في وضع الأفكار العالمية بموضع النقد والبناء عليها.
إنك لو تنظر في جيرانك ، أبناء القرية أو أولئك الذين يعيشون بالمدن الكبيرة في بلادنا العربية ، لوجدت طغيان العادة والتقاليد ، وهو أمر سائد جدًا وقد يبدو عاديًا وطبيعيًا لكن دعنا نركز أكثر بذلك التشابه الكبير بين أفراد المجتمع المحلي الصغير الواحد ، ثم تلك التشابهات العامة الكبرى للمجتمع الكبير الذي يضم كل تلك المحليات ، ألا يظهر بأن هذه الخصال المتطابقة بين الناس والناشئة من نزعة التكرار مثيرة للريبة ؟ 
ما هذا الركون العظيم للجاهز والثابت والالتزام المخلص فيه مع أن الناس الهاربة من آلام التحرر العميقة فيها هي أيضًا تعاني كثيرًا من الضد المتمثل بالوجود في غير ذواتنا الفردية  ، لكنها تنتظر أو تأمل بوعود لن تحقق بالراحة من خلال أفكار جاهزة تُرمى عليهم من قبل السلطات لقيادتهم نحو تبنيها وتطبيقها ، 
ومما يزيد الأمر ريبة أن كثيرًا من الشرائح المتحررة من التقليدية المحلية تتقيد وتتعصب لغرقها بالتقليدية العالمية ، حيث تبنت عادات وطرق تفكير مستوردة وارتأتها خلاصًا وبنت على ذلك تكراراتها المستقبلية ودخلت بصراعاتها ضد واقعها و ماضيها أو ماضي مكانها ، ولم تقم بما أراه صفة للحياة ، أن تجرب فتنتقد فتطور مع منح الاحتمالات حقها بالوجود ، 
ومع ان العرب – ولا أستطيع الحكم على غيرهم – من الذين تمكنت بهم الشكوك تمكنًا عظيمًا دفعهم نحو افتراض السوء بالعالم فإنهم لم يستغلوا هذه الموهبة العبقرية ، 
وقد يعترض بعض القراء على وصفي السابق لكني أراهم هكذا من تجارب طويلة بالغربة والوطن ، فأي نعم نحن مجتمع الإيمان لكنه تعبير عن  الهرب من عالم الشكوك أو مقاومتها أو تجميدها فالإيمان وسيلة لتجاهل الشكوك وليس لمواجهتها ، مع أنه بالأساس ويفترض به أن يكون وسيلة لمواجهتها وخوض الحياة 

“قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق “

وقوام الإيمان و وجوده قائم على مواجهة الأسئلة ، فنحن بدءًا آمنا بالله لأننا واجهنا وجودنا الغامض ، وقد استندنا على الإيمان بعد تحققه في مواجهة النوائب وتقلبات العيش ، وما يثيره كل ذلك من اضطراب ، أما أننا نجعل الإيمان طريقة للفرار وأسلوب ملتوي للجبن والخنوع فهذا ما لم يبشر به الإيمان قط ، ومصداق ذلك كان الجهاد والتأسيس للقوة ،

 فالإيمان يأخذ شكلين
 الأول أن يكون محصلة للتفكر وفهم إمكانيات الإنسان وحدودها مع استخلاص الحجج الكونية الوجودية على استحالة المصادفات وعلى رؤية الاتجاه والإرادة في معانيها الشاملة بالكون بالإضافة للاستناد على المقدس الذي جاء عبر الرسل وخصوصًآ لحظة النبي محمد عليه الصلاة والسلام ، 

وأما الشكل الثاني بأن يكون أساسا محفزا نحو مواجهة الحياة والغموض والضعف والذل وبقية الانكسارات الإنسانية وهذا الشكل أيضًا قليل ظهوره وسرعان ما يتحول لتصادم عنيف مع الآخر حين ظهوره لدخول نتائج التقليدية المتمكنة بالنسق في تكوين حامل هذا الشكل واندفاعه نحو الصراع والانتحار مبكرًا لانخفاض قدرة النظر لمآلات الأمور ولاعتقاده بأن الحرية حكرًا عليه وأن على الجميع اعتناق أفكاره.

لقد مرت المجتمعات العربية بالقهر والفقر عبر التاريخ وتمكنت منهم مذاهب السلاطين وتأثيرات الزرادشتية الهاشمية واحتكار النص واضطهاد وقتل الأحرار وحوكمة الفكر وربطه بالفقه وتقييده بالولاء والقصة تطول ، لكن علينا أولًا النظر لشخص الإنسان العربي المقموع تربويا لنجد أننا حتى في هذا العصر نعيش مرحلة تقليدية كبرى ، فبالسابق كان الخوف من الطبيعة وانعدام الأمان دور في صناعة القبيلة وبناء العادات وضمان الهوية الجامعة ، ولكن الآن في ظل كل هذا الحديث عن الحرية والإنسان لا نجد قفزات كبيرة بهذا المضمار فالتقليدية المحلية انتقلت لتقليدية عالمية مما يوحي بأن الأمر بين احتمالين :

  1. إنها الطبيعة البشرية وما يخرج عنها هو استثناء وعلينا تقبّل الأمر 
  2. إنها إشكالية تورطنا بها ومن الممكن تجاوزها عبر تحرير التفكير وزيادة الحريات

ونحن إذ نتحدث عن التقليدية وننتقدها فلا نعني المطالبة بجعل كل الناس مبدعين وإنما تنحية الصفة السائدة ومنعها من إعاقة الإبداع والإنتاج وتشجيع المكان نحو المبادرات والاكتشافات وعدم الوقوف ضد المبدعين باسم الجماعة والمجتمع وبقية الألاعيب العنصرية تحت غطاء مخادع.

لقد جاء الانغلاق بناءً على كون التقليدية حماية للذات وتشاركية فعالة في هدف البقاء أيضًا فوجد المرء نفسه في مضمار العمل الجماعي الذي يحمي ويخفف المسؤولية ويمنع التورط بمخاطرات مؤلمة لكن هذه التقليدية أذبلت التفكير وجعلته بسيطًا وحديًّا لا يبصر إلا لونين : الأبيض والأسود ، الدنيا والآخرة ، نحن والآخر ، ولا مجال لغير ذلك وما أن يأتي من يفكر خارج السرب انهالت عليه السهام لأنه هكذا يتسبب بتدمير الطمأنينة التي تفاقم تقديسها حد انهيار هذه الأمة وارتهانها للأجنبي.

تمثلت التقليدية بأشكال مختلفة في ظهورها ، ليس بالانتماء للجماعة أو القبيلة أو الدولة فحسب بل حتى بالنزعات السلفية واعتقاد أن الأوائل جاؤوا بما لا يمكن تجاوزه ولا أفضلية لنا عليهم ، وهذا التركيب الفكري القادم بالأساس من الحنين للطفولة له اعتباراته الدينية فخير القرون الثلاثة الأولى وهو من ناحية النقل والاحتكاك بعصور قريبة للنبوة فنعم لكن إن كان بمعنى الجمود وتعطيل الفقه وبقية المفاهيم الجامدة فلا بالطبع ، ومع ذلك فإن مظهر التقليدية هذا لم يت،قف على الدين فحسب بل شمل اللغة وظن أهلها أن لا لغة عربية إلا ما قاله الأوائل وحاربوا تطور الألفاظ وإعادة استخدامها بمعاني جديدة باسم الحفاظ على لغة القرآن ،هذا من وهمهم فهم قادرون على رصد تحولات المعاني للألفاظ بكتب مخصصة لذلك ، ولقد بلغ بهم الأمر رلى أن عطلوا إبداع الألفاظ مما دفع الناس نحو استخدام المصطلحات الإنجليزية وما هذا إلا بسبب تعنتهم وتقليديتهم المتعصبة ، فمثلًا :

أصبح الناس يستخدمون كلمة “ويك اند” للإشارة لعطلة نهاية الأسبوع وقد قضت التقليدية على نزعة إبداع كلمة واحدة مخصصة لهذا المعنى وحاول التقليديون دفع الناس نحو استخدام “عطلة نهاية الأسبوع” وفشلوا إلى أن قرأت لأحد علماء اللغة أنه يقترح استخدام كلمة “عطيلة” وتخصيصها لذلك وما هذا المثال إلا غيض من فيض ، 
ثم إن الأمر لم يلمس اللغة في حدود عملها اليومي بل عاث في الشعر فسادًا ، واتضحت معالم الجمود والتقليدية بأهل اللغة الذين رموا انفسهم بالشعر وخاضوا حروبهم في صناعة السلفية وخير القرون بالشعر أيضًا ، إنها جماعة “أيتام المتنبي” المعاصرة وهم أنفسهم ورثة عشاق شعر القرون التي سبقتهم .

الشعر والتاريخ 

وقف الشعر أمام التاريخ معلنًا عن ذاته المتجاوزة للعصور لكن الزمنية عملت فيه من خلال الأغراض والألفاظ والأوزان والأذواق ، ونالت النصوص القديمة مكانتها من كونها تذكارًا أو أعمالًا شكلت غيرها ضمنيًا أو علي الأقل منحت التعريف لغيرها لكن هناك أعمال تحولية تبقى بالذاكرة وهي النقلات التي تشمل الطرق والأساليب مثلًا شعر الموشحات مقارنة بالشعر الجاهلي والتفعيلة مقارنة بالعمودي ومثل هذا التحول قامت الطبيعة والتغيرات الاجتماعية الكبرى في إحداثه ، وقد مر شعراء كبار كان لهم دور كبير بالنقلات العبقرية  في تاريخ الأدب ، ولكل زمان أخذ الشعر يغرف من نهره الجاري ما يمكن لأبناء كل عصر التفاعل معه وبقت نزعة العودة للأعمال السابقة ظاهرة سائدة لكنها ما أن تطغى على الإبداع حطمت حركة المجتمع وجعلته تقليديًا ، وأزمة الأدب العربي اليوم في ظاهرة التحطم الشعري جاءت بدءًا من أزمة أهل اللغة وهيمنة الفقيه الديني على منطق الشعر وتحول النص الأدبي لنص سلفي يغذي النزعة السلفية بالخفاء. 

التقليدية بالأدب 

إن الاستشهاد بالنصوص القديمة ليس تقليدية في موضع التوظيف للإبداع فالاقتباس والاستشهاد يعملان في سياق الإبداعية وكذلك في سياق التواصل والمتعة النفسية إنما الذي نقصده بالتقليدية بالأدب هو :

  1. الاهتمام الكثيف بالتكوين اللغوي للشعر وإهمال المعاني والمواضيع مما ولّد ثقة كبيرة بالمنتج الشعري باسم اللغة العربية ومكانتها ودفع نحو الاعتقاد بكمال الشعر العربي ضمنيا والامتناع عن النقد الثقافي والشعري ، ولعل ذلك صب بالنهاية في ذكورية الشعر العربي واهتمام معظمه بشؤون الرجل وعلاقاته مع الدولة والناس والقبيلة إلخ وبالتالي شكّل هذا أساسًا نظريًا لجماعات أيتام المتنبي التي وجدت فيه ما يتناسب مع الإطار التقليدي للشعر العربي ورفضت النظر لتجارب قفزت ذلك كما فعل نزار مثلا أو الاتجاه التقدمي عند الشابي الذي له كتاب في نقد الشعر العربي من جهة مختلفة.
  1. محاكاة ومشاركة الاتجاهات الدينية السلفية الثائرة بقيادة الخميني وثورته في إحياء الاتجاه الزرادشتي الهاشمي وولاية الفقيه التي زامنها أيضًا ارتفاع للحركات الأصولية السنية التي أرادت مواجهة ومنافسة خصومها ، ورفعت شعاراتها السلفية فكان هذا وقودا لتعظيم شعر الأوائل ورفض الشعر الحداثي أو تبخيسه وتحقيره وبهذا كانت الفصامية التقليدية واستغلال الشعر والحراك الادبي في تغذية الطموحات المتأسلمة وهذا نلاحظه عند الشيعة في تعظيم الطقوس وتوظيف الشعراء وهدم التركيبة الشعرية باغراقهم بوحل الحزن الشعائري الدرامي الرديء ومحاربة الحياة ولم يسلم مجتمعنا العربي السني الذي يمثل الاكثرية من الشعب العربي بهذا البلاء فظهر الشعر الركيك الذي اتجه نحو تقليد شعر الأولين وتجاهل العصر وشجونه ، واندفع الذوق للانحدار وحورب الشعر العصري الذي يمثل الان وروحه بعيدا عن الحركات الرجعية المتاثرة بالزرادشتية الهاشمية.
  1. الهروب من الواقع . 
    تقوقعت الجماعات الأدبية بنسبة كبيرة منها في قوقعة الأدب القديم كأسلوب للمعارضة وكراهية العصر الحديث الذي يختلف بواقعه عما في صدورهم من تعاليم وخيالات تاريخية عجزوا عن مزجها بالواقع ووجدوا في السياسة الحديثة أيضًا ما يؤجج لغة الاعتراض وقد مرت المنطقة بحركات أصولية متطرفة في ظل أوضاع الهيمنة الغربية التي دفعت بطريقة غير مباشرة للعزلة الأدبية للذين يعيشون بروح مفارقة لهذا الزمان ، ولقد أدى ذلك إلى آن تكون مواضيع الشعر بعيدة بكثير منها من اهتمامات الفرد اليومية باستثناء بعض حركات الشعر التي لم تجعل التقليدية مسارها واندفعت نحو الإبداع وناقشت قضايا الإنسان العربي وتصادمت بأمور وتفوقت بأخرى
  2. كراهية الذات .
    وهذه تتجلى معانيها في مسارات مختلفة أحدها أن يسعى الشخص للبحث عن زمان غير زمانه ليعيش حياة مفارقة للواقع ومثل ذلك أن ينفصل عن مجتمعه أيضًا ويذوب بالآداب الغربية ردة فعل على كون التقليدية قد استحوذت على كل الاتجاهات فينقض على العوالم المحيطة ليقيم علاقة معها لكن أيضا تحت تأثير التقليدية ومفارقة الزمان فإن كان لدينا ظاهرة المتنبي فإن التقليدي العالمي سيعيش في رواق شكسبير وهكذا تسود التقليدية حتى مع الخروج من القالب

وبالمختصر الشديد لقد وجد التقليديون بالمتنبي ما يتناسب مع شاعرية الفقهاء حيث تشكل القصيدة عنده مزيج من الموقف مع أو ضد الدولة وهذا يدغدغ بالفقيه ومريديه شعورهم نحو أو ضد السلطة وأيضًا تأتي قصيدته مكتظة بالحكمة وهو ما يتناسب مع الشاعرية المتوسطة الأداء ، وقد ساعد غموض ديانة المتنبي على تجاوز مسألة المذهبية بالتفضيل فهو بالنهاية من عوام وفساق العرب وبالتالي أزال إشكالية الانتماء المذهبي ، ونحن إذ نبرز هذه الجوانب في الالتقاء فلا نقلل من شاعرية المتنبي لكننا لا نعتقد بفرادته فهو شاعر زمانه وليس شاعر كل الأزمنة كما يروج أيتامه الذين وجدوا فيه ما يساعدهم على الحرب ضد شعراء زمانهم وللتخلص من الإشادة اليوم إذ أن المسألة السيادية لها وجود في هذا ، فنزار ودرويش وغيرهما منبوذين بدول ومحبوبين بأخرى وهكذا ، 
وهو شاعر الغرض أو الغرضين من الشعر وليس كل أغراض الشعر ، وللأسف استطاعت التقليدية بتعظيم وتقديس الآدب القديم ثني ومنع الموهبة العصرية من قيادة المجتمع وصناعة أفق إنساني يتجاوز هذا الجمود السائد ، وليس بجديد ذلك فهو يتكرر بكل زمان حتى المتنبي بزمانه كان في موضع الشكوك والتقليل مقارنة بمن سبقوه من الشعراء ، وهي إشكالية قديمة في العقلية السائدة عند أهل اللغة
فحين سُئِل ابن الأعرابي مثلا عن شعرٍ لبشَّار: أما هذا من أحسن الشعر؟ قال: “بلى، ولكن القديم أحب إلي” ، 
و عن الأصمعي أن إسحاق بن إبراهيم الموصلي أنشد:
هل إلى نظرة إليك سبيل … فيروى الصدى ويشفى الغليلُ
إن ما قل منك يكثر عندي … وكثير ممن يحب القليلُ
فقال له الأصمعي: لمن تنشدني فقال لبعض الأعراب فقال : هذا والله هو الديباج الخسرواني قال: فإنهما لليلتهما قال: “لا جرم والله إن آثار الصنعة والتكلف بين عليهما.”
ومثل هذا كثير ،
والسبب برأيي أن النزعة اللغوية بالأساس نزعة للماضي وتعصب للأجداد ويظهر أن العلم باللغة يشعر صاحبه بأن الأحق بالشهرة والمكانة من الشاعر المعاصر الذي يظل دائمًا تهديد للغة لأنه الوحيد القادر على إزاحة الألفاظ من معانيها وابتداع الجديد لها والجديد فيها مما يتصادم مع فكرة السلفية الأساس التي خلطت بين المبتدع بالدين والمبدع باللغة وكل ذلك ما هو إلا ضبط للشعور والتزام بالقاعدة في التعامل مع خطورة التغييرات الكبرى وسوء اعتقاد بالحياة .

وما أقل الشعر عند أهل اللغة.

عصام مطير

الرسمة الملحقة للفنانة الأوكرانية Poleva Olesia

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments