النفس واعتداءات الحضارة

الأرض التي تشترط علي أن أتحرك بطريقةٍ معينة ومحددة مسبقًا، تعني أن ثمة لاعبًا يقوم بتوجيه عناصره عليها (وأنا أحدهم) لتحقيق أهدافه في حين يخيّل إلينا بأننا نلنا ما نريد وبالوقت ذاته نعاني ما لا نفهمه ويُحرّم علينا بطريقة غامضة السؤال عنه ، وذاك ما يخصنا أما بالنسبة له إن كان دولةً أو تنظيمًا أو خطأ بشريًا بمفهوم الحضارة ، فله أهدافه التي تورطنا بها ولا يشكل لنا قيمة ذات نفع نجاحه أو فشله بتحقيقها خصوصًا في مستويات الشعور الفردية العميقة، وإذ يتعين بذلك القالب أن يكون الصراع عامل الحياة الاجتماعية الأول بمنظور مؤسسيه فإن كل شيء يسود به دقة التنظيم للحفاظ على نسق الجماعة/المجتمع/الدولة وبما أننا بالعصر الذي تسود فيه فكرة السرعة والسلطة الحديثة فإن الطاقة هي الهدف الأسمى ، طاقة الإنتاج والقدرة الاقتصادية لكن المعنى الشعوري للسعادة وما يتعلق بقيمة الحياة معنويًا هو معنى هامشي لديه وللأسف ضمنيًا لدينا لأن السعادة أيضًا تحورت فينا وأصبحت تحت سلطة الأرقام وفكرة الامتلاك وهي مع الحياة قاطبةً أُعيد تكوين علاقتنا بها بمعاني رقمية وأخرى تخص فكرة أن أمتلك وأستحوذ ، 

ليس خفيًّا على القارئ أن القلق والكآبة من سمات هذا العصر الذي عظمت فيه الشوارع والأرصفة والعمران والضوضاء معلنةً عن الإنسان-الآلة الذي تحورت وتوسعت معاني السعادة لديه لكنه مع ذلك تورط بكآبات لا حصر لها وليس بمستغرب ذلك خاصة أن هذا القالب المعاصر لم يكن قالبًا يصلح للإنسان الذي نشأت وتكونت قواه النفسية والجسدية في عالم الطبيعة ، وبدا خلال كل تلك القرون الماضية منسجمًا مع ما يمكّنه من البقاء ويتناسب مع شعوره بحيويته.
إن انخفاض الشعور بالحياة ، مرتبط ببعض مظاهره بالانحباس عن العالم ، وتقييد الذات بالجدران والصور ، ومن يحيا في ذلك الضيق ، سنوات طويلة ، من الطبيعي أن يتعرض لسوء الوعي بالذات والأشياء ،

سألني صديق عن حل لقسوة يعانيها في صدره ، وانخفاض إحساسه وألم مبهم لا يعرف كيف وصفه فأجبته عليك بالطبيعة لأن مداهمة الشعور الخامل بتأمل الأشياء ، بمنحها فرصة لإصلاح الخلل الذي مس برمجة الوعي بإبصارها من جديد ، وملاحظة روابطها بمحيطها ، كينونتها ، ألوانها ، شكلها ، ذكرياته معها ، كفيلٌ بإيقاظ الوعي مرة أخرى وإعادته للمستويات الطبيعية من الملاحظة والدقة والحيوية والإحساس جيدا والتفاعل وبما أن الكون له كائناته وأشكاله التي لا حصر لها ، فعلى المرء أن يتناول ما يستطيع من الأشياء تأملا ومتابعة وحيوية خلال شهور ليحقق إصلاح ما لا يعيه في أعماقه وبهذا يأتي الجمال مقياسا لمدى ما يعيشه المرء منا من صحة ، 
فشعوري بجمال الشيء، الكائن ،الطقس ، التضاريس، هو مقدار صحتي الفعلية ، ولسبينوزا رأي فيما يخص الصحة العقلية إذ يراها أحد تجليات الحياة السوية وأن المرض العقلي من أعراض الفشل بالحياة ، ولإريك فروم آراء في مناقشته الملكية والوجودية ، بكتابه الامتلاك أو الوجود ، عن الخطر الذي يعانيه البشر اليوم من نمط الحياة الامتلاكي .

إن ما نفقده بالعمران تحديدًا، هو شعورنا بملائمة الطبيعة/الكون لوجودنا ، وهو الشعور الذي تحققه الكائنات الحية في بيئة تجمعنا بها بعيدًا عن دلالات الخوف من العالم ، كالجدران والأبواب الموصدة.
لقد نشأت عقولنا وأجسادنا في طبيعة حملتها وطورتها ، وما أن نبتعد عنها تزداد اضطراباتنا ومخاوفنا وأمراضنا فالضغط النفسي الذي عادة ما يكون ناشئًا من عدم الملائمة بين الجسد والوضعية والبيئة ، وكذلك من التصادم بين مبادئ العقل المكتسبة وبين المتاح بمحيط ضيق ومضطرب ومزدحم ، يرفع هرمون الكورتيزول الذي يتجاوز دوره الوقائي المؤقت ليكون أداةً للمرض والتآكل الذاتي ، نفسيًا وجسديًا (القرحة ، الاكتئاب) وكل ما يمكن تصوره من معاناة هو نتيجة هذا التعارض بين جسدنا ومحيطنا ، بين المقبول من الضغوط وما لا يُطاق، وبهذا فالعودة للطبيعة وتربية الحيوانات والبهائم ، التأمل والمرح ،تعديل الأفكار الكبرى والمتطلبات ،تنمية القناعة والنقاء والموهبة كلها تصب في الصحة عمومًا ، بخفض مستويات الضغط النفسي كما هو معلوم عند الكثير منا ومع ذلك فإن أغلبيتنا نحن المدركين لهذه الحقيقة لا نطبقها أو نلجأ إليها ونتلاشى بانتظار أن تغير المدينة طباعها ، أو أننا مرغمون قد اختطفنا من قدرتنا على الاتجاه لتحقيق ما يريحنا لأن المدينة ذاتها قد تخللتنا وأصبحت في ذواتنا كالحبر بالإسفنج.

هل تبصرون ما أبصره بالقرية ؟

انطلاقًا من شعوري وتجربتي إنه لتعجبني القرية ، في معناها المتمثل بالتمسك بمكانة الطبيعة ، تعجبني حين تؤكد بكل ما فيها ، على مبدأ التسامح مع الليل والتضاريس ، وتعجبني أكثر في كونها لا تريد الوصول لقالب الشطرنج ، أي أن يكون ما فيها يقاتل بعضه بعضًا ، ويحارب محيطه ، ويتكلم الصراع بأشكال مختلفة فيه كما تفعل المدن إذا نظرنا لفكرة القرية بما تعنيه من وجود ، والمدن وما تعتقده عن معناه ،فإن جوته كان قرية بمعناها الذي رأيت ، حين قال 

“لا تستمر الحياة في الحركة إلا بغفران ونسيان”
جوته

هذا الجانب التسامحي العميق في مقولة جوته ، يخالف تماما المدن المتوحشة التي نشاهدها في قوالب الكتابة والأدب اليوم ، بل بالحياة قاطبة ، فها هي أي حركة تفعلها أو حرف تنطقه مرصود وها هي أدوات التقنية بذاكرة لا تنسى وبأفئدة حاقدة تظل ناقشةً ما كنت عليه ولا تقبل أبدًا من حقدها فكرة الحياة والآدمية التي تعني أنك تتغير .
لقد جاءت القرية متناسبة مع نزعة الامتلاك بحيث لا يكون هناك مفاقمة للاستحواذ وقد كسبت جمالها كما أسلفت بقربها وتمسكها بالطبيعة التي هي بدورها لغة خلاقة ، لا تتوقف عن إبداع المعاني ومقاومة الاندثار . 
مخطئٌ من ظن أنه على مايرام وقد حرم ذاته التأمل بها والإصغاء لها فهذه الحيوية التي نشعر بها في تأمل تضاريسها وكائناتها ، قادمةٌ من التوافق بيننا وبينها بصفتنا امتدادًا عبقريًا لها وبصفتها برمجتنا العقلية الأساس ، وهذا التوافق يأتي معه تركيبة وعينا بالمكان والزمان والأشكال والطقس والألوان والهيئات المختلفة التي تثير بدورها مناطق عصبية/دماغية مختلفة ، إنها تعمل على تنشيط الخامل بجهازنا العصبي كاملا ، وتمرن ذواتنا على النهوض ، 
فالنظر للجبل وما يحيطه بالواقع يثير إدراكات مختلفة مرتبطة بأحاسيس وذكريات أيضا أو تنشئها ، أما الصورة الفوتوغرافية فهي مسخ ، ومدى إثارتها محدود جدا ، وأما إذا قارنّا الطبيعة بالمدينة فلا شك أن المدينة انحطاط مهول لذائقة الجمال ، وما نبصره أحيانا بالفنون من جمال إنما لكوننا جوعى يستلذون بالخبز اليابس وعطشى يطاردون السراب .

ماذا عن ابن القرية ؟

إنه من ضمن الأمور التي أخذت من تفكيري تأملًا وتحليلًا كان ذلك النشاط والانطلاق الروحي لأشخاص يعيشون بقرية من قرى شمال الحجاز  ، مع أنهم لا يملكون ما يملكه المتشائمون التعساء المتذمرون الذين وجدوا أنفسهم في مدينة ضخمة بها كل الإمكانيات إلا إمكانية الرضا عن ذاته فترة أطول !

فإذا حيّدنا جانب التلوث بالمدينة والنقاء بالقرى وهو جانب له تأثير على الشعور بالطبع وإذا أبعدنا جانب الضغوط النفسية المرتبطة بالزحام الذي سيكون أعلى بالمدينة منه بالقرية ، فإن هنالك عامل عميق ، في نشوء التذمر عند ابن المدينة مرتبط  بـ
نزعة الملكية
فابن المدينة يتلقى ما حوله من عمران وبنيان تذكيرًا له ورسالة منها لأعماقه بأنه لا يملك ، وهذا يستفز نزعته ويشكل ضغطًا عليه مع تنميطه شعور البهجة بالتزامن في نفسه ليكون مرتبطًا بالامتلاك ، وبالتالي فإن الملكية تأخذ حيزًا كبيرًا من تفكيره أيضًا ، ولأنه بالطبع لن يملك معظم تلك المدينة فهو متذمر بمعظم أوقاته إن لم يهتم بتنميط شعور البهجة بأمور أخرى وبكثافة ليتجنب ضغط الإيحاءات التي ترميها عليه ، الجدران والأسواق والمنازل
أما ابن القرية فلا يشكل ضغطًا نفسيًا على نزعته للملكية  شيء بقرية إمكانياتها قليلة وغير مكلفة عادة وكذلك فإن المساحات الشاسعة أمامه من سهول ووديان وجبال تقول له أنها ملكه ، ويشعر بالتالي بقيمة عالية في الانتماء ، يشعر بالوطن فكرةً وشعورا متجسدًا فيها .إنه سعيد لأنه يملك ضمنيا ما يراه في محيطه في حين ابن المدينة يحيا معاناة أن ما حوله ملك غيره من البشر .

لقد أدرك الإنسان مع تقدم المعرفة والعلم بأن شعوره بأجزاء منه ، هو امتداد لتفكير باطني لا يعيه ، يقيم وضعه بإزاء الأشياء في محيطه ..
وأعتقد بأنه لا يوجد أشد مرارةً من اكتظاظ ذهن المرء منا بأن قيمته بالحياة مرتبطة بالأرقام والممتلكات وأن خطواته رهينة المسار الذي لم يختره وهذه أهم اعتداءات الحضارة

عصام مطير

الرسمة الملحقة للفنان الفنلندي Mikko Tyllenin

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments