إنجازات هادئة

حركة النغمات في الموسيقى ، انتقالها للأمام والخلف ، ابتعادها واقترابها وتناوب ظهورها وغيابها ، يثير بنا معنى قريبًا من المعنى الذي نحققه بحركتنا وسكوننا وذهابنا ومجيئنا ، مما يستدعي لذة الإنجاز والوصول ويشعرنا وجدانيًا بها دون جهد وهذا ربما سر انجذابنا للموسيقى ، فالأمر بأعماقه ليس مرتبطًا بالصوت بل بالحركة  .
إنه لتدهشني الحياة بالذبول والينوع والتفصيل والإيجاز ، وإنني لأبصر الجمال في كل شكلٍ ولون ، وإنني كذلك لأطرق  باب الخيال مرغمًا ومختارًا ، وفي كل سماء هناك نجومٌ تدعونني لتأملها وبكل أرضٍ لي فيها ما يناديني وخطرٌ لا يعيق تفكيري تحديقه بي ، والأمر ليس مقتصرًا على تأملي بل يمتد إلى المعاداة والتجنّب لخلق الفكرة المتزنة ، وبالنسبة للموسيقى التي عدتُ إليها بوعي الملاحظة والرقابة فإنّ حالَ المعاداة لها مؤقتٌ ولا يتجاوز الانشغال عنها أو تركها تسرح في أُذني دون اكتراث.

على ربوةٍ من رُبى نجد ، أدعُ الحياة تسرد ذاتها في عينيَّ نغماتٍ نغمات ، وفي سبيل التخلص من الركون للماضي أعني تفسيره وتحليله أجعل ذهني جيادًا لأغنيةٍ غرامية وأنسج أنفاسي نسيمًا للمساء  ، 
“يا لها من سنين تمضي” ، بهذا نطق لساني دون سابق تخطيط ، ثم انتبهت بأني قد انطلقت من وإلى ذاكرتي أو أرادت هي تذكيري بكونها الأساس الذي يُبنى عليه .

ونقطة قلبٍ أصبحت منشأ الهوى..
وعن نقطةٍ مفروضةٍ ينشأ الخطُّ
،
ابن الخطيب

كل الأحداث في حياتنا بدأت بنقطة ، شرارة ، بذرة ، ثم انطلقت تنمو برعاية منا أو من ظروفنا ، أو بالتزامن بيننا وبينها، وقد منحنا البدايات غالبًا (حين الحديث عنها أو التفكير بها ) بطولة الرواية أو دورًا عظيمًا مؤثرًا ، شكلا رومنسيا جذابًا أو لعنةً جاءت بلا حول منا ، أو حيرةً وغموضًا وقد نعتقد أيضًا أننا نحن من نذهب لتذكرها أو نفكر بها أو أن ظروفنا أرغمتنا عليها لكنها هي من تفعل ذلك دون حاجة إلينا وتذهب وتعود ، ولعل اهتمامنا أي شغفنا نحن إليها ، تجسيدها وتذكّرها ومنحها شكلا حين الحديث عن أي شيء ، محاولةٌ متقدمة بالتعبير عن الغرابة التي نعيشها بكوننا أحياء ، كيف تسير الحياة وإلى أين ؟ ولماذا؟ 
إن هذا الشغف هو التعبير ضمنيًّا عن حيرتنا من لحظة الولادة ، وكيف جئنا .
ألا تلاحظون الحركة في الحضور والغياب لهذه البدايات في أحاديثنا ومخيلتنا ؟

دع عنك الطفولة يا صديقي واستيقظ !
جان جاك روسو 

هل نستطيع ذلك يا روسو؟ هل نستطيع حتى بنسبة ٥٠٪؟

في خضم هذه الحياة تعمل أجسادنا والأفكار بتزامنية عجيبة فما نبصره بأعيننا مثلا يستوجب عملًا إدراكيًا بأذهاننا ، فهذه الصورة / المشهد / أو ذلك المنظر لا يُدرك بلا تزامنية عاطفية وارتباطات سريعة وفعالة مع الذاكرة وكل هذه العملية التي لا تأخذ إلا أجزاء من الثانية يقع أيضًا تحت تأثير المبادئ العقلية وتراكمات نفسية عما يمثلنا ويهمنا ، وكذلك تأثير الاحتياجات ،
إن النظرة التي ألقيها في وجه هذا العالم ، تختلف وفق إمكانيات وفاعليات فسيولوجية وكذلك الأثر المرضي ، وهذا كله متعلق بالجسد وكفاءته ، وأما العقائد فإنها تعمل بطريقة مختلفة لكنها أيضًا لها فاعليات من خلال الجسد بعضها معروف كأثر الضغط النفسي وما يقوم به هرمونات مؤثرة كالكورتيزول وبعضه مجهول ، والمثير للدهشة في أثر العقائد ، أن نظرتك البصرية للحياة وأشيائها تتغير أيضًا ، والعقائد هنا لا تعني الدينية فقط بل حتى الدنيوية ، الاجتماعية ، الشخصية ..وبهذا كانت النفس البشرية تنسيقًا عبقريًا للفكرة والجسد ، الفكرة التي تشكلت من آلاف التكوينات ، والجسد الواحد وما به من إمكانيات وهي أيضًا حركة ، بها ما يحضر ويغيب ويتقدم ويتأخر في نشاطه الذاتي والجسمي والشخصي.
لقد وضعت بصري ونظراته تحت التمعن والرقابة ، وكان واضحًا لي ، بأن النظر بصفته وظيفة جسمية/فسيولوجية لا يشكل كل أجزاء النظر ، إذ يتزامن مع إدراكنا البصري مشاعرنا وخيالاتنا واحتياجاتنا وعقائدنا وهذا معلوم بالعلوم النفسية لكني كنت أريد اصطياد الحركة ومرقبة التناوب علي ذهني وما يوثر على بصري ، وقد وجت نظري للأشياء متأثرًا بما أسمعه بالتزامن فمثلًا

حين أستمع لتلك الموسيقى/الأغنية وأتجول بالأسواق والطرقات أجد تأثيرها على نظرتي البصرية وما ينبغي أن أختاره من المشهد وأتمعن به ، وما يثيره في عاطفتي وذهني وما له علاقة سابقة بمذاقات واختيارات مرتبطة بالأغنية وراسخة بذاكرتي وما كانت عليه البدايات ، فالبصر يصبح أداة ذوقية طيّعة لطربية الأغنية والموسيقى ، وقد أخذت حركة الاختيار لما يلفت انتباهي بروزًا بفعل حاستين ممتزجتين ، السمع والبصر ، ولو استمعت لغيرها لوجدت أثرًا جديدًا في نظرتي متعلقًا بطربية الشعور وما له من أثر متزامن على بصري ونظرتي ، ليدخل بذلك حركة الشعور وقيمة المزيج في تدفقات الحياة بي وبهذا يكون للأذن دور في تكوين المختار من الصورة ، ما أتجه إليه في المشهد/المنظر الذي أراه وما يعلق بالذاكرة وهذا التنوع والاختلاف في تكوين النظرة البصرية وهويتها وفاعلية النفس/الفكر/الجسد يجعلنا نعي أن وجود الإنسان معقد جدًا في تركيبه ومن المحال توحيد الخيارات والعقول والثقافات ، فالاختلاف حتمي بدءًا من الحاسة وإلى ما لا نهاية  وأما الحركة فهي الحياة والكون  وقد أحب الإنسان الوجود الذي يحقق معانيه التي يريدها فكانت الموسيقى الأقرب ، لأنها إنجاز بلا تكلفة أو مشقة 🎨✨

عصام مطير

الرسمة الملحقة للفنانة Greta Milan

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments