على مذهب الحرمل

بمنتصف الليل ، وبعيد عنه حيث أعلنت الكهرباء عن نفسها ثورةً للحاق بفكرة الشمس ، وإذعانًا منها لمحاولاتنا لإطالة اليقظة ، أو ما نعتقده تطورًا يزيد من بقائنا على قيد الضياء ، أرتدي شغفي ، وأفكر بيومي المنصرم ثم لم تمض دقائق معدودات إلا وقد اصطادني الملل وانعطف بي نحو العدم الذي لا أقصد به سوى فقداني البوصلة والاتجاه وانغماسي بالسراب، ولكون الليل لم يعد يعمل كما ينبغي ، بعد أن تورطنا بعبقرية أديسون ونزعة المجتمعات للهيمنة ثم نبوغ مارد الدولة ، فإنني أركض ملهوفًا أو أطوف تائهًا ومرغمًا حول ذاتي والشاشة ، اليقظة والانطفاء ، وما يمكن أن نسميه جلسات شحن التوهان بكميات هائلة من كلمات غبارية لأبواق العصر الحديث.
يتسلل المذيع بأعماقي وتبدأ ضيفة حلقته ببث فكرتها عما ينبغي علينا أن نفعله ، ولأنها في قداس التلفزيون ، تُظهر لنا مدى ما تملكه من كرامات وإنجازات ، وأننا تافهون ونحيا حياة تستحق الشفقة ، ومازلنا بعيدين عن الحضارة ، وبقية التهم المعتادة .

أقلب الصفحة المضيئة تلك ، وكلمات “تافهون ، تفاهة ، تخلف ” عالقةً في ذهني وهأنذا أمام بوتين وأوكرانيا ، والطرائق المميزة في صناعة الأساطير عبر فوهة البنادق .
بدأت الجياد بالركض بالمضمار ، وها هي تحاليل الأخوة الذين يظهرون بكل مهرجان أو مناحة عالمية تتقدم على بقية الخيل ، وذاك الذي قبل ليلة كان يصف حكم المباراة الكروية بالغفلة نال الحيز الأكبر في الحديث عن المأساة التي تجتاح العالم ، وما ينبغي فعله ولا ينبغي ، الخطط العسكرية ، وبقية الألعاب اللفظية التي لا يتفوق أحد بالكوكب على أصحابنا عمومًا فيها . 
ولا أنكر حقيقة انسجامي مع الاتجاه العالمي ضد بوتين ، لكنه كان يفعل الأمور ذاتها بل أشد منها في بلادنا العربية ، سورية تحديدًا، وبينما أنا في تساؤلاتي وتأملاتي لهذا العالم  رجعت كلمة “تافهون ، تفاهة ، تخلف” تعاود حضورها مرة أخرى في ذهني ، وبالتزامن معها كبرت مقاومتي لها ، هل انطبق مقولة ديل كارنيجي بكتابه “كيف تتخلص من القلق وتبدأ حياتك” أو كما قال : “الشعور الخسيس بالرضا على النفس من خلال إعابة الآخرين” على صاحبة تلك الكلمات ؟ 
لقد جاءت جملة كارنيحي بسياق المنتقد لأولئك المشغولين بحياة الآخرين ، وتحقيرهم ، وأما هذه فهي تهاجم شرائح كبيرة من المجتمع تحت شعار النقد البناء ، أو ما يُطلق عليها عند خصومها جلد الذات ، ومع تدقيقي وجدت أنها جزئيا قد تكون باحثة عن رضا نفسيا بمهاجمة الآخر لأنها كانت تطمح ربما لتكون قائدة بمدرسة أو مديرة في عملها ، ولم تستطع فعابت المجتمع الذي لم يقدر موهبة الزعيمة ، أو لربما كانت محقة لكنها لم تمنح حلولًا سوى إبداء الغضب من باب التخفيف على النفس خاصة أنها لا تملك قدرة شعرية أو روائية للتخلص من كل ذلك الزخم العاطفي الثائر في وجه الواقع ، لكن ما ذنب التفاهة ؟ 

قبل أعوام نشر “ألان دونو” كتابه “نظام التفاهة /La médiocratie” وقد تُرجم للعربية قبل عامين من مترجمته التي استطاعت أن تؤكد موقفي من مقدمة المترجم ، وهي المقدمة التي عادة ما تكون أكثر من مقدمة المؤلف ، ويكثر بها تلخيص الكتاب وإقناع القارئ بالأعمال البطولية التي قام بها المترجم في أحسن الأحوال  وأما بأسوئها فإن أفكار المؤلف كلها قد حُرّفت ونالت السياط من ظهور العرب ونُقل المؤلف إلى الزنزانة عقوبة له على إيقاظ روح الغضب أو التعالي عند المترجم.
أعود لكتاب نظام التفاهة ، وأجدني متأكدًا من نصيحتي لنفسي حال القراءة ” تجاوز مقدمة المترجم ، وعد إليها بعد نهاية كتاب المؤلف” ، وأعود كذلك لحكايتي مع الليل ، توهاني ، بحثي عن معنى ، وفي خضم ذلك أقول: كان كتاب آلان دونو يخص الدولة ، ما ينبغي على المرء أن يكون بها ومن خلالها ، أما أنا ، خصوصًا في هذه الأيام ، قد تجاوزت فكرة الدولة الحديثة وانحزت لروابطي مع الكون ، وقد ارتكبت ذنبًا هذه الليلة بفتح شاشة التلفاز التي امتنعت عنها سنوات لأجدني في قائمة التافهين ، فالأخت المثقفة يظهر لي أنها تحت تأثير ألان دونو ، ونشوة الإسقاط.

في عام ٢٠٢٠ وبعز أزمة كورونا ، حجرت نفسي بمزرعة والدي رحمه الله بعيدًا عن المدينة  ، وهناك كنت أقطع مسافات طويلة مشيًا من باب تجديد علاقتي مع الطبيعة تاركًا خلفي كل ذلك الصخب الدولي ، ولكوني حينها بلا عمل ومازلت أتجهز لأعمالي الكبرى ، منحت ذاتي حرية التأمل وإعادة قراءة الحياة ، ومن أهم اللحظات في تلك السنة كانت لحظة لقائي بنبتة حرمل في مهد طفولتها ، وقد صورتها ومكّنت التاريخ منها ، أي منحتها وجودًا في كتاباتي :

“جمالها ، نابع من مقاربتها لفكرة 
البدايات النابضة بالسذاجة والاعتزاز ومصافحة العالم  إنها حيث أشعر وأشير لها بالجمال لم تكن لتثير بي كل هذا الانفعال اللذيذ لولا أنها نداء لطفولتنا وتذكير منها بها ، وإنها حيث تحيا غير آبهة بالظروف ستعيش طويلًا في ظل ذلك الجمال الذي لن يتخلى عنها ، 
وإن ما توهج فيها ليجذبني أيضًا ، هو التباين بينها وبين ما أراه باعتياد ولأنها وحيدة صغيرة ، على غير ما هو معتاد من نبتة الحرمل، لفتت انتباهي ،
وقد ازادت درجة شعوري بجمالها
في كونها تحديًّا لظروف مناخية صعبة ، سيول جارفة شتاء ، وجفاف لا يطاق صيفًا ،
وهذا التقدير النفسي لحياتها جمّلها بعيني ، وهكذا هي آلية الجمال ، تمزج بين تقديرات مختلفة يتقدمها معنى الانطلاق والحيوية وأن المستقبل لا يقلقنا ويتلوها رونق اللون والشكل “

هل كنت تافهًا حين كتبت هذه الكلمات ؟ 
ربما. 

منذ أيام والنظام العالمي /بعيدًا عن مصطلح نظام التفاهة/ يهتز من بوتين وغزوه لأوكرانيا ، وهو الرجل الذي يعطي انطباعًا لمن يشاهده بأنه بوجه مقنّع ، فلغة وجهه باردة وجادة غالبًا ، ليذكرني أيضًا مع مثقفة الشاشة إياها ، برواية ميلان كونديرا ، حفلة التفاهة ، التي أعلن بها موت الفكاهة في هذا العالم وأننا بعصر ما بعد المزاح ، ويا لها من رواية تحكي لنا عن ستالين ونكتته التي لم تفهم ممن حوله ، ليوظفها ميلان في رؤيته عن صرامة العصر والجمود الكبير الذي يسود العالم ، وقصة كالينين الذي أُطلق اسمه على مدينة “كوينسبرغ” الألمانية ، تلك المدينة التي احتلها الروس وطردوا سكانها ومازالت للآن تحت سلطتهم ،
والرواية إذ تحكي لنا عن ستالين وكالينين لم تكن سياسية ، بل اجتماعية وفلسفتها عميقة ، تدفعنا للاهتمام بذواتنا دون تعقيد ، وبها شخصيات وحكايات تخص كل منها .ثم بعد كل هذا الصراعات على المعنى ، أي على ما هو مطلوب منا إزاء التفاهة أو عدمها ، وما ينبغي ولا ينبغي ، وبالتزامن معها أيضًا تكبر حجم مقاومتي ليتشكل السؤال الأهم:

ما هي مسؤوليتي بالوجود ؟ 
هذا السؤال الذي علينا أن نجيبه قبل اتخاذ الموقف من مآسي العالم أو حفلات التفاهة ،
لقد أخذ الكثير منا فكرة الاستنساخ وسيلة للاحتكام والتقييم ، فما أراه بذاتي ينبغي على الجميع فعله ، وما يقع علي من سلطة ، واجب أن أواجهه بسلطة مضادة ، ولا أدري أهي طبيعة أصيلة في نفوسنا أم أننا بعصر الآلة والدولة الحديثة قد اكتسبناها أو بالغنا بوجودها بيننا ، وكأننا نريد أن نوحد كل ملامحنا لكن مهلًا 
سأجيب على السؤال بطريقة نبتة الحرمل ، هل تفهمون ما أعنيه؟

عصام مطير

الرسمة الملحقة ، للفنان أدولف كوسارك Adolf Kosárek: Zimní noc (Winter Night), 1857

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments