بكتابها عن الإبداع، شرحت "مارغريت بودن"، ثلاثة أنواع من الإبداع، سأضعهم معيارًا في التمييز بين شعراء العرب الكبار بهذا العصر:
”إيليا أبو ماضي، السياب،أحمد شوقي“
لنفهم تقسيمها للإبداع وأيضًا لنميز بطريقة ظهور كل شاعر بالإبداع
ترى ”بودن" بكتابها
١. الإبداع التوليفي/التجميعي
٢. الإبداع الاستكشافي
٣. الإبداع التحويلي
كيف من الممكن أن نوزع شعراء العرب على مثل هذه الأنواع، لكي نفهمها جيدًا.
أولاً ما هو الإبداع التوليفي؟ Combinational Creativity
إنه عملية تجميع ودمج أو توليف مكونات وعناصر مألوفة بطريقة غير مألوفة، دون الحاجة إلى تغيير قواعد المجال أو الخروج من فضائه، فالشاعر مثلا يستطيع أن يجمع بين معنيين عبر الاستعارة أو التشبيه إلخ، فيؤسس بذلك إبداعا بالصورة لكنه لم يقم بتجاوز الإطار الأسلوبي والتركيب العام لمجال الشعر، فمثلا أحمد شوقي شاعر توليفي، قام ببناء قصائد عمودية كثيرة لكنه لم يخرج على النسق ولم يبتكر أسلوبًا خاصًا فمن يقرأه يظنه يعيش بالعصر العباسي، لكن قد تكون محاولاته بالشعر المسرحي تنضم للنوع الثاني الذي كان إيليا أشد بروزًا فيه.
ماذا عن إيليا أبي ماضي؟
هنا يأتي النوع الثاني من الإبداع:
الإبداع الاستكشافي (Exploratory Creativity)،
وهو استكشاف "المساحات المفاهيمية“ أو أساليب التفكير المهيكلة والمألوفة، وهذه قابلة لتعمق بفرعيات ممكنة دون كسر القالب الأساسي، للمجال الفكري أو المعرفي، وهنا يأتي إيليا أبو ماضي بالضبط حيث أنه مثلا بقصيدته الشاعر ومطلعها:
قالت وصفت لنا الرحيق وكوبها
وصريعها ومديرها والعاصرا - (ص٤١٤- ديوان إيليا)
استخدم عدة بحور شعرية بالقصيدة وقوافي مختلفة دون الخروج على قالب الشعر العمودي وهو بهذا يبدع توليفيًا من خلال الصور والخيالات واستكشافيًا بمنح العمودي مساحات أكبر بتنوع البحر والقافية وأيضًا بتوسيع مجالات المواضيع لتشمل التأملات الوجودية والفلسفية لكنه لم يكسر القالب العام..
أما السياب
فهو شاعر التحول، عبر الإبداع التحويلي (Transformational Creativity)
، حيث قاد نقلة كبرى نحو شعر التفعيلة/الحر، وألف عشرات القصائد البارعة وأقام أسلوبا رمزيا أكّد فيه إبداعه بالانتقال من الشعر التقليدي العربي مرحليًا لنسق شعري جديد هو أحد كبار قادته.
الإبداع التحويلي تتحدث عنه ”مارجريت بودين“ واصفةً إياه بالمثير للدهشة والأعمق إبداعا فه ووليد إدراك المبدع للقيود المفروضة على الأسلوب الحالي، فيقوم بتعديل أو تحويل الخريطة الذهنية المسبقة وتغيير قواعدها. ينتج عن هذا التحول أفكار كانت تعتبر في السابق "مستحيلة" أو لا يمكن حتى تخيلها ضمن المساحة المفاهيمية القديمة (التي لم يتم تحويلها بعد).
كتاب ”مارجريت بودن“ : The Creative Mind: Myths and Mechanisms
مكتظ بأفكار ونقاشات عن ظاهرة الإبداع يناقش مسائل ذهنية، وكتابها من بين الكتب التي سنعتمدها بمسار الإبداع حين تأتي جدولته بنظامنا التفاعلي بمنصة ركائز مستقبلًا.
يظل هناك سؤال يتبادر على السطر هل من الممكن الاستفادة من هذه التصنيفات للإبداع في قراءة الشعراء أعني وفق معيار معرفي مستورد من علوم الإدراك مثل هذا الذي تحدثت عنه ”مارجريت بودن“ محاولةً به استخدام مفاهيم الذكاء الاصطناعي والحوسبة لفهم سيكولوجية الإبداع البشري؟


