في محاضرة نقاشية عن ”العدم“ قدمها موقع Institute of Art and Ideas، استضاف بها كل من:
١.ديفيد دويتش (David Deutsch): عالم الفيزياء النظرية، يُعرف بأنه الأب المؤسس لمجال الحوسبة الكمية، وهو شخصية رئيسية ومدافع بارز عن تفسير "العوالم المتعددة" لميكانيكا الكم
٢.أماندا جيفتر (Amanda Gefter): كاتبة علمية مرموقة متخصصة في الفيزياء الأساسية، وعلم الكونيات، والعلوم المعرفية، والفلسفة.
٣.لي سمولين (Lee Smolin): عالم فيزياء نظرية بارز، معروف بأبحاثه في الجاذبية الكمية الحلقية (loop quantum gravity)، والانتقاء الطبيعي الكوني، وبشكل أوسع في مساهماته في فلسفة الفيزياء.
امتد النقاش مدة ساعة، بعنوان "البحث عن العدم" وكان أهم ما ورد بها :
▪️ديفيد دويتش David Deutsch
يرى أن "العدم" هو مفهوم مستحيل التصور في العالم المادي.
▪️أماندا جيفتر Amanda Gefter
تحكي موقفًا مغايرًا ، حيث ترى أن "العدم" ليس أمرًا مستحيلًا، بل تذهب إلى أن "العدم هو كل شيء".
▪️ لي سمولين Lee Smolin
يقول أن "العدم" يُتصور بشكل عام على أنه شيء يقع خارج نطاق الكون"
النقاش يمثل مدارس مختلفة ويُكسبنا توجهًا للتفكير العميق.
عن رأي ”أماندا جيفتر“ كانت قد شرحت في نهاية النقاش، موقفها القادم من نقاش سابق مع ”آلان جوث“(Alan Guth) وهو عالم فيزياء نظرية وعالم كونيات أمريكي. وُلد في 27 فبراير 1947، ويشغل منصب أستاذ الفيزياء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT). يشتهر باقتراحه لنظرية "التضخم الكوني" التي تفسر اللحظات الأولى من نشأة الكون.
إن"الشيء هو في الحقيقة لا شيء"
يرد هذا القول على لسان ”أماندا جيفتر“ في المحور الثالث والأخير من النقاش
حيث وضح عالم الكونيات ”آلان جوث فكرته“ لها سابقا من خلال النظر إلى "الكميات المحفوظة" (conserved quantities) في طبيعة الكون. يرى ”جوث“ أنه على الرغم من وجود كميات هائلة من الطاقة والكتلة (المادة) في الكون ظاهريًا، إلا أن الجاذبية تمتلك مساهمة "سلبية" (طاقة سلبية) تعاكسها،
وعند جمع كل هذه الطاقة والمادة مع الطاقة السلبية للجاذبية، فإنها تتوازن تماماً وتُلغي بعضها البعض لتصبح المحصلة النهائية صفرًاو لا يقتصر هذا الأمر على المادة والطاقة فقط، بل ينسحب على كميات فيزيائية محفوظة أخرى وفقًا لما قاله ”جوث“، مثل:
١.الزخم الزاوي (Angular momentum): حيث تدور المجرات في اتجاهات مختلفة، وعند جمع حركتها الدورانية، فإنها تلغي بعضها ليصبح المجموع الكلي صفراً.
٢.الشحنة الكهربائية: يبدو الكون متعادلًا من الناحية الكهربائية، مما يجعل المجموع الإجمالي للشحنات صفرًا أيضًا.
وبناءً على هذا التوازن الدقيق الذي يُلغي فيه كل شيء مقابله لتصبح جميع الكميات المحفوظة مساوية للصفر، يخلص ”جوث“ إلى استنتاج عميق ومثير مفاده أن "الشيء هو في الحقيقة لا شيء" (something is nothing).
——
هل المفارقات حول العدم مجرد أخطاء منطقية؟
كان هذا هو المحور الثاني للنقاش وقد تعددت الآراء بالإجابة :
- لي سمولين: يميل للاتفاق مع الفيلسوف برتراند راسل في أن العديد من الأسئلة الفلسفية يمكن حلها ببساطة عن طريق تحسين اللغة أو "القواعد النحوية"، داعياً إلى تركيز الفيزياء على أحداث العالم الفعلية.
- ديفيد دويتش: يرفض ذلك بشدة، محذراً من ممارسة "إلغاء المشكلة بالتعريفات" (Define-away a problem). يرى أن المفارقات تنبع من صراعات حقيقية في النظريات وتحتاج إلى حلول رياضية وفيزيائية حقيقية، لا مجرد تلاعب بالكلمات. كما يشن هجوماً حاداً على أفكار الفيزيائي جون ويلر حول "الكون التشاركي" (وأن الكون مبني على المعلومات والمراقبين)، معتبراً إياها "هروباً" لتجنب قبول نظرية العوالم المتعددة، وأنها مبنية على "فلسفة سيئة" موروثة من نيلز بور.
- أماندا جيفتر: توضح كيف أن الفيزياء الكلاسيكية كانت تبحث عن "أشياء حقيقية" وثابتة لا تعتمد على منظور المراقب، ولكن من آينشتاين فصاعدًا، تبيّن أن الأشياء التي ظنناها ثابتة (كالمكان والزمان) تعتمد على المُراقب. وتستعين بمقولة ”ويل“ر الشهيرة بأنه "لا يمكننا اللعب حتى نرسم خطًا بالطبشور عبر الساحة الفارغة"؛
بمعنى أن العدم (الساحة الفارغة) يتحول إلى "شيء" بمجرد أن نرسم حدودًا تخلق علاقة بين مُراقِب ومُراقَب.
ما هو العدم؟
كان هذا المحور الأول الذي امتد متقاطعا مع بقية المحاور الثلاث، وإليكم خلاصات النقاشات لكل عالم منهم :
عن العدم، تقول لنا الفيزيائية والكاتبة العلمية "أماندا جيفرا" :
"العدم هو كل شيء، وظهور الكون أمر حتمي"
تقول جيفتر إن الفشل في فهم العدم ينبع من تعريفه بشكل سلبي (باعتباره غياب كل شيء)، ولذلك تقترح تعريفاً إيجابياً للعدم بوصفه "حالة من التشابه أو التطابق اللانهائي اللامحدود" (Infinite boundless sameness)
هذه الحالة من التشابه التام لا يمكن تمييزها عن الفراغ المطلق.
في حين نظر عالم الفيزياء "ديفيد دويتش"، بأنّ (العدم مشكلة علمية حقيقية تتطلب التفسير)
نظر دويتش إلى "العدم" من زاوية المعضلات الفيزيائية ويرفض تهميش الفكرة أو التلاعب اللغوي بها.
يحذر دويتش بشدة من التهرب من مشكلة العدم عبر تغيير التعريفات (Define-away a problem)، ويرى أن التساؤلات مثل "ماذا كان يوجد قبل الانفجار العظيم؟" أو "ماذا يوجد شمال القطب الشمالي؟" هي مشاكل فيزيائية حقيقية تنتظر حلاً رياضياً وعلمياً معمقاً وليست مجرد تلاعب بالكلمات
ومع ذلك يتفق دويتش مع جيفتر في أن العدم يمكن وصفه بـ "التشابه"
لكنه يربط ذلك بمفهوم فلسفي وهو "التفسير"
فحالة التشابه اللانهائي لا تتطلب أي تفسير، بينما "الشيء" (الوجود) يبدأ في اللحظة التي يظهر فيها شيء "جديد" يتطلب منا وضع تفسير له.
الأساس المادي للوجود:
يهاجم دويتش محاولات بعض العلماء والفلاسفة لاعتبار "المعلومات المجردة" أو "المراقب" هي العدم الذي ينبثق منه الكون، واصفاً إياها بـ "الفلسفة السيئة" والهروب إلى ما وراء الطبيعة لتجنب الاعتراف بنظرية "العوالم المتعددة" في ميكانيكا الكم. ويؤكد أن المعلومات يجب أن تستند دائماً إلى أساس فيزيائي مادي (سواء كان سيليكون أو حتى أنابيب مفرغة) لتتمكن من الوجود
- لي سمولين (لا يوجد شيء اسمه العدم، بل أحداث تتغير عبر الزمن).
يتخذ "سمولين" موقفًا يرفض فيه إعطاء أهمية كبرى لمفهوم العدم، مفضلاً التركيز على ديناميكية الكون.
و يقول بوضوح: "أعتقد أنه من الخطأ البدء بالتفكير في مسألة العدم
بل يجب أن نبدأ بمفهوم ”الزمان".
ويضيف: "لا يوجد شيء اسمه العدم، بل إن الأشياء تحدث فقط، وما يحدث يتبع قواعد تتطور وتتغير بمرور الزمن".
من الناحية الفيزيائية البحتة، يُعرف سمولين الفراغ ببساطة على أنه "حالة الكم ذات المستوى الأدنى من الطاقة".
لا يوجد شيء خارج الكون:
يرفض سمولين تماماً فكرة النظر للكون من الخارج (للبحث عن العدم)، مؤكداً أن المبدأ الأول في علم الكونيات هو أنه "لا يوجد شيء خارج الكون"؛ فالكون هو كل شيء، ولا يخضع لأسباب أو قوانين تأتيه من الخارج.
مشكلة اللغة:
يميل سمولين إلى رأي الفيلسوف برتراند راسل، أيضًا معتبرا أن العديد من المفارقات المحيطة بكلمة "العدم" (مثل قولنا 'العدم غير موجود') هي مجرد استخدام "قواعد لغوية سيئة" ، وأنه يمكن التخلص من هذه المشاكل بتحسين اللغة وتوجيه الفيزياء نحو دراسة "الأحداث الفعلية والتغيرات" بدلاً من البحث عن ثوابت مطلقة.
كانت هذه المحاضرة النقاشية بديعة في التطرق للعدم، والنظر إليه علما بأن العدم كمجال فلسفي مطروق بعدة مؤلفات من الممكن الاطلاع عليها ونقلها في نقاشنا وفتح مواضيع عنه،.
المصدر للمحاضرة:
Deutsch, D. O'Dowd, M. Smolin, L. Gefter, A. (2025, October 23). In search of nothing [Video]. IAI Player
iai.tv/video/in-search-of-nothing


