في تعريف العاطفة/الانفعالات وتفسيرها، هناك اتجاهان رئيسيان وفق ما قاله "جون ديغ" محرر فصل مفاهيم العاطفة الحديثة بكتاب " دليل أكسفورد لفلسفة العاطفة":
أحدهما النظر بأن العاطفة حالة وجدانية يقف خلفها مسار متمركز حول الشعور ذاته والآخر أن العاطفة حالة معرفية لذلك تشمل مكونات متعددة و هو الرأي الشائع اليوم (التيار المعرفي).
أسس وليام جيمس نظريته عن العاطفة في نهايات القرن التاسع عشر، حيث نظّر للعاطفة وهذه جملة من آرائه لفهم نظريته:
١. المرء لا يختبر الإحساس نفسه مرتين أبدًا
يرى وليام جيمس بأن كل إحساس يتوافق مع تعديل وتغيّر مما في الدماغ، وبالتالي لا يمكن أن ي؛ون هناك تكرار لنفس الإحساس بالضبط، حيث أنه لو تكرر مرة أخرى لحدث في دماغ قد تغير عن المرة الأولى، وما يعنيه جيمس بالطبع ليس نوع الإحساس بل درجته وشعورنا فيه، هذه الفكرة التي استطاع جيمس توظيف المقولة الفلسفية الشهيرة لهرقليطس ” لا يمكنك أن تخوض النهر مرتين“، كان هدفه بها إثبات ان تيار الوعي متغير، ولا يتوقف ولا يمكن بالتالي أن نرد الوعي لوحدات بسيطة، وهكذا يقف وليام جيمس بمنهجه ضد ديفيد هيوم وجون لوك…
هذا الرأي شرحه لكي يكون واضحًا التالي:
يرى جيمس أننا نخلط بين موضوع الإحساس وبين الإحساس ذاته، والمثال على ذلك:
عندما تسمع موسيقى ”سوناتا“، النغمات هنا موضوعات فيزيائية تتكرر، لكن خبرتنا السمعية حالة ذهنية متصلة متدفقة ومتغيرة ولا تُكَّرر كوحدات منفصلة، ( هنا الفارق بين ما تسمعه وبين ما تشعر فيه بسماعك، وهكذا يلحظ التغير حتى لو كان بسيطًا في تجربتنا الذاتية).
كان هذا رأيًا من آراء جيمس لكن الرأي الأهم هو نظريته في تفسير العاطفة
٢. ما هي العاطفة عند وليام جيمس؟
إذا رأيت دبًا فإنك تهرب ثم يكون شعورك بالخوف نتيجة كل تلك التغيرات الجسدية التي حدثت :تسارع نبضات القلب، تغيرات فسيولوجية أخرى، الركض إلخ“ وليس أن تخاف ثم تهرب!
هكذا فإن ما قدمه جيمس أيضا يتوافق مع ما قدمه كارل لانج الذي اقترح الفكرة نفسها وهما لم يلتقيا في زمانهما فسُمّيَت النظرية بنظرية جيمس لانج.
(1) أدرك الدب ← (2) أهرب (تغير جسدي مباشر) ← (3) شعوري بهذا الهروب والتغيرات الجسدية هو الخوف.
يقول وليام جيمس تحديدا :
"نظريتي هي أن التغيرات الجسدية (bodily changes) تتبع مباشرة إدراك (perception) الواقعة المثيرة (exciting fact)، وأن شعورنا بهذه التغيرات ذاتها أثناء حدوثها هو الانفعال (emotion)."
يهمنا الآن تفاصيل وليام جيمس لنفهمه جيدا:
تنشأ استجابات فسيولوجية حين يكون هناك محفزٌ أو مثير خارجي أو حتى داخلي، هذه الاستجابات الفسيولوجية، شاملة بذلك تغير نبضات القلب زو التحولات التي تحدث في المعدة أو الكبد، هي ما ينبثق أو يمثل العاطفة، فشعوري بالعاطفة هو انعكاس ونتاج ثانوي (Epiphenomenon) لتغيرات جسدية بغض النظر عن السبب،
وهنا جيمس ينظر للشعور فقط، في العاطفة مما يجعله من التيار النفسي والفلسفي الذي يرى العاطفة حالة مماهاة وجدانية لا علاقة لها بالفكر أو التقييم المعرفي، رويتي للدب نفسها ليست جزءًا من شعوري بالعاطفة، أو العاطفة، هنا السبب الخارجي الذي أدركه منفصل تماما عن عاطفتي لكن عاطفتي هي الجزء الذي يخص تغيراتي الجسدية اي لو كان تقييمي أن الدب مخيف فإن خوفي لم يبدا بلحظة تقييمي تلك بل بعد ان يُحدث تغيرات في جسدي، وهنا يكون التقييم المعرفي خارج نطاق العاطفة بل هو مسبب فقط.
هذا الرأي بربط العاطفة بصفتها فقط "شعورا بتغيرات جسدية".
تعرّض لانتقادات واسعة إلى يومنا هذا فمثلا ”كلاوس شيرر“ في نظريته نموذج المكونات للعاطفة، اعتبر جيمس لم يكن يسأل ” ما هي العاطفة Emotion? ” بل كان سؤاله ” ما هو الشعور Feeling“ ويعني بذلك السخرية من نظريته،
ومع ذلك فإن نظرية وليام جيمس مازالت قائمة رغم كل الانتقادات في مواضيع مثل الخوف من السقوط بمكان مرتفع وأنت آمن (ساكن بفندق بالذور السابع مثلا) وأيضًا الاننفعال الذي تحدثه الموسيقى،،،
سنتطرق لهذه الأمثلة مستقبلا
٣. ما الفرق بين نظرية جيمس ونظريات التيار المعرفي التي تشمل كلاوس شيرر، وشاشتر، ولازاروس وغيرهم؟
الفرق بسيط جدًا :
اين يبدأ الانفعال؟
عند التيار المعرفي يبدأ أو يقع في التقييم، الانفعال هو الفكرة أو الحكم
إذا أدركت الدب ولم أعتقد أنه خطير (رأيته في سيرك مثلاً)، فلن أخاف. إذن، بالتقيم المعرفي بدأ الانفعال او هو جوهره الأساس.
عند وليام جيمس لا.
الإدراك مسألة أخرى لا علاقة لها بظاهرة العاطفة او الانفعال انما هي حكم تقييمي قد يتسبب بالانفعال لكن الانفعال لم يبدا به، الانفعال هو شعورنا فقط بالتغيرات الجسدية التي حدثت نتيجة هذا الادراك او التقييم،
إذن الإدراك يسبق الانفعال/العاطفة وليس جزءاً مكوناً لها.
الانفعال يبدأ فقط عندما يبدأ الجسد في التغير ونشعر نحن بهذا التغير.
إذا حدث الإدراك ولم يتغير أي شيء جسديا، فلا يوجد انفعال، بل مجرد "حالة معرفية باردة“، هذا ما يُطلق عليه ”حجة الطرح“.
٤. حجة الطرح (The Subtraction Argument) عند وليام جيمس :
يقول
"إذا جردنا العقل من كل المشاعر النابعة من الأعراض الجسدية، فإننا سنجد أنه لا يوجد شيء متبقٍ وراءها، لا توجد 'مادة عقلية' (Mind-stuff) يمكن أن يتشكل منها الانفعال."
باختصار لو أزلنا التغيرات التي تحدث بمعدل تسارع النبض، وانقباض المعدة إلخ، فلن يكون هناك بالأساس عاطفة الخوف!
٥. خلاصة القول ما هي العاطفة عند جيمس؟
الإدراك (perception) هو الشرارة أو المثير الذي يُطلق تغيّرات جسدية مباشرة.
العاطفة هي الشعور بهذه التغيّرات (feeling of bodily changes).
بأسلوب آخر:
مهما كان السبب، العاطفة تُعرَّف بما يحدث في الجسد كما يُحَسّ.
هكذا يكون جيمس ليس من المدرسة المعرفية فهذه لا ترى الإدراك المعرفي قبل العاطفة بل العاطفة نفسها تتضمن تقييما أو حكما معرفيا يكوّنها أو يحددها.
-----------------
سأنشر لاحقا:
المصطلح والمعنى في فلسفة العاطفة✔️
انتقادات تفصيلية لنظرية جيمس✔️
العاطفة والفن/الموسيقى/ التفسير القريب لها ✔️
العاطفة عند فريجه والانتقادات الموجهة ✔️
العاطفة عند سارتر / شرح اعتراضاته على جبمس✔️
العاطفة والكواليا - شرح آراء جاك بانكسيب✔️
نموذج شيرر ومكونات العاطفة ✔️
نظرية ليزا التنبؤية ✔️
آراء دماسيو بالعاطفة وعلاقتها بالجسد والعقل ✔️
موجز الانفعالات ديفيد هيوم✔️
الانفعالات والثقافة✔️
العاطفة واللغة والشعر ✔️
العاطفة عند الحيوانات✔️


