إنّ اللغة في حياةِ الشعوب ليستْ مجرد رصفٍ للمفردات أو وسيلةً لقضاء الحوائج في المجتمع، بل هي الخيطُ السريُّ الذي يربطُ الماضي بالحاضر، والقالب الذي تتشكل فيه شخصيةُ الأمة.. وحينَ نرى اليوم زحفَ المفردات الهجينة على ألسنتنا، وتسللَ الرطانةِ الأجنبية إلى تفاصيل يومنا، فنحنُ لا نُحدث لغتنا فحسب، بل نحنُ نخدشُ وجهَ هويتنا ونعلنُ عن (استعمارٍ طوعي) لعقولنا.
إن التخلي عن اللفظِ العربيِّ المستقرّ في وجدان المعنى واستبدالهُ بآخر غريبٍ ورديئ بداعي التمدن أو المعاصرة، هو نوعٌ من الانهزام النفسي، فالذي يستعير لسانَ غيره ليعبّر عن ذاته، كمن يلبسُ ثوباً لا يسترُ فكرَهُ ولا يُناسبُ قامته تماما، فالعربيةُ تمتازُ بالاشتقاق والنحت وقدرةٍ عجيبة على احتواء المعاني الكونية، فكيفَ نتركُ هذا البحر الزاخر لنغترف من سَواقي الآخرين؟ إنّ خطورة هذا الأمر تكمن في إضعافِ الصلة بالذوقِ العربيِّ الأصيل، مما يجعل الجيل القادم غريباً في وطنه، يقرأُ تاريخهُ وكأنهُ يقرأُ لغةً بائدة
ولعلّ المشهد الأكثر إيلاماً يتجلى في أطفالنا؛ هؤلاء الصغار الذين يُحرمون من سحرِ البيان العربي في سنوات تكوينهم الأولى.. حينَ يشبُّ الطفل ولسانُهُ معقودٌ بمفرداتٍ أجنبية، فإنهُ ينشأ بانفصامٍ وجداني؛ يرى العالم بعيون ثقافةٍ أخرى، ويشعرُ أن لغتهُ الأمّ عاجزة عن مواكبة العصر.
فاللغة هي وعاءُ القيم فإذا ضاعتِ اللغة، ضاعت معها الأمثال والحكم والقصص التي تشكل الضمير الأخلاقي..
وإنَّ حشو ذهن الطفل بخليطٍ مشوهٍ من اللغات (عربيزي) يُضعفُ قدرتهُ على التفكيرِ المنطقي والارتقاء التعبيري، فيخرجُ جيلاً لا هوية لسانية له.
إنَّ التمسك بالعربية ليس تعصباً أو انغلاقاً عن المجتمعات، بل هو فعلُ مقاومةٍ حضاري، فالمجتمعات التي تفرّط في لسانها تبدأُ بفقدان سيادتها الفكرية.. وعلينا أن ندرك أنَّالمثقف هو حارسُ الثغرِ الأول وعليهِ تقع مسؤولية إحياء اللفظ..
والأسرة هي الحاضنة التي يجب أن يترعرع فيها الاعتزاز باللغة كجزء من الكرامة الشخصية
وأما المؤسسات يجب أن تفرض هيبةَ اللغة في المراسلات والإعلانات والحياة العامة.
وأخيرا
إنّ لغتكم هي عصبُ وجودكم، فإذا وهَنَ العصبُ شُلَّ الجسدُ كله. عودوا إلى لغتكم تعودُ إليكم هيبتكم، وازرعوا في قلوبِ صغاركم حبّ الضاد، ليرثوا منكم وطناً يتنفسُ بلسانِ أهله، لا بصدى أصوات المحتل.
