ليست الحروفُ صامتة كما نظنّ، بل كائناتٌ خجولة، إذا أُهملت تأوَّهت وإذا حُبست في الصدر اختنقت فلكلّ حرفٍ أنين ولكلِّ كلمة وجعٌ خفيّ لا يسمعه إلا من جاور المعنى طويلًا وسكن إلى جوار الفكرة حتى ألفها وألفته فأنين الحروف يبدأ حين يعجز اللسان عن حمل ما أثقل القلب وحين تتكدّس الأفكار فلا تجد لها مخرجًا سوى البياض .. عندها ترتجف الكلمة قبل أن تُكتب، كأنها تخشى الخروج ناقصةً أو مشوَّهة، أو أن تقع في يدٍ لا تُحسن الفهم ولا تُجيد الإصغاء.
نكتب أحيانًا لا لنبهر بل لنتخفف ونكتب لأن الصمت صار ضيّقًا ولأن القلب لم يعد يتّسع لما فيه (فالكتابة تنقي القلب وتصفيه من المتاعب)والحروف حين نُحسن الإصغاء إليها، تتحوّل من أصواتٍ جامدة إلى اعترافاتٍ حيّة؛ تبكي وتعاتب وتستعطف ثم تهدأ كما يهدأ الجريح حين يجد من يضمد ألمه.. وأنينُ الحروف لا يسمعه العجولون؛ أولئك الذين يمرّون على السطور مرور الغريب على الديار، فلا يقفون ولا يتأمّلون إنما يسمعه من أبطأ الخطو وأطال المكث وأعطى للكلمة حقّها من الصبر. فالحروف لا تُفشي سرَّها إلا لمن ائتمنها، ولا تهب معناها إلا لمن أحسن السؤال
وقد يشتدّ أنينها حين تُولد الكلمة مبتورة، لا لضعفها، بل لأن صاحبها خاف اكتمالها! فكم من معنى ذُبح في منتصف الطريق، وكم من فكرة خُنقت خشيةَ لومٍ أو سخريةٍ أو سوء تأويل عندها تظلّ الحروف عالقةً بين الصدر والورق، تتأرجح بين الجرأة والسكوت.
والكاتب الحقّ ليس من يُكثر الحروف بل من يرحمها ويختارها كما يُختار الرفيق في السفر؛ لا يثقله ولا يتركه وحيدًا في مفازة الكلام يعرف متى يدعها تتقدّم ومتى يُمسك بيدها كي لا تسقط في الإسراف أو الغموض فالكلمة إن لم تُضبط أضاعت معناها، وإن قيدت أكثر مما ينبغي اختنق صدقها.
وللحروف ذاكرة لا تخون؛ تذكر أوّل من نطقها بصدق، وتحزن حين تُستعمل قناعًا ولذلك تثقل على المنافق، وتخفّ على الصادق فالكلمة الصادقة تخرج سهلةً وإن كانت موجعة، أمّا الكاذبة فتتعثر وتحتاج جهدًا لتقف على قدميها
وليس أنينُ الحروف دائمًا شكوى، فقد يكون حنينًا؛ حنينًا إلى صدقٍ غاب أو معنى ضاع أو زمنٍ كانت فيه الكلمة عهدًا لا زينة، ومسؤوليةً لا ترفًا.. وحين تُسخّر الحروف للتزييف، يشتدّ أنينها، وتفقد بريقها، وإن كثرت
وحين يكتمل أنين الحروف لا يعود أنينًا خالصًا بل يتحوّل إلى أثر(أثرٍ يبقى بعد انصراف الكاتب، وبعد طيّ الصفحة،، أثرٍ يشبه الدعاء الخفيّ؛ لا يُسمَع، لكنّه يُستجاب في القلوب، ويترك فيها رجفةً لا تُنسى)
لهذا نكتب… لا لأننا نملك الحروف، بل لأن الحروف امتلكتنا، نكتب لنمنحها حقّها في الصدق ونمنح أنفسنا فسحةً من السلام، علّ الأنين يصير معنى، ويغدو الوجع نورًا بإذن الله.
نص جميل وتأمل أجمل، وإلى المزيد من الإبداع


