النهر والرواية ..

بموجة عارمة من القراءات في عالم الفلسفة والأدب خلال الأسابيع الماضية غرقت ، ثم أطلقت سراح ذهني بفترة جَزْر لأستوعب ما بهذا العالم من تناقضات ومسارات وها هي النقوش الأثرية بالذاكرة ، قد أشارت بكل أصابعها إلى ميولي الذوقية في الانحياز لما هو شاعري في الأسلوب أو المعنى ، فمثلا مازالت هذه ترفرف في علياء ذهني : 

يتحرك الماء في النهر كما لو أنه يريد أن يتجه للمحيط بينما هو في الحقيقة لا يريد أي شيء على الإطلاق *
📚إدوارد فيسر بكتابه : فلسفة العقل 

وقد أراد بذلك التمييز بين ما هو قصدية جوهرية وأخرى ظاهرية، فالنهر ظاهريًا يقصد هدفًا لكنه من حيث أنه ظاهرة فيزيائية فهو لا يقصد وليس ثمة إرادة واعية به .

 في القول السابق يهمني الجانب العقلي/النفسي الذي نفعله في مواجهة العالم إذ نقوم تلقائيًا أو بعد تأمل بمنح الأشياء والظواهر صفاتنا النفسية نحن على سبيل المثال حين نتحرك نسعى لهدف ولدينا إرادة ومن ثم سنلقي ربما هذا التكوين السلوكي/النفسي على النهر مثلًا.

هل نبحث عن معنى أو ظهور آخر للحياة ؟

قبل أيام ، كان شاطئ البحر الأحمر موضع قراءتي لرواية ألبير كامو “الغريب” ، وقد أحاطت بي موسيقى الأمواج ورقصات النسيم الساري في ليال اتخذت من الشاطئ بها نديما ومن الإضاءة الخافتة الهاربة من الشارع المستلقي هناك بعيدًا ، حارسًا لا يثير أي شعور بالرهبة ولا بثقل الرقابة ، ولم يكن النهار بمنأى عني ، فلي به عدة جلسات أبصرت بالبحر زرقة النداء نحو الأعمق .
قرأت من الرواية نصفها ، وقد كان ذلك الجزء بعمومه يعبّر عن بطل الرواية الذي قفز بنا نحو أحداث متسارعة لتنتهي بجريمة قتل ، لكن الذي شدني بعيدًا عن البطل هو الإيقاع الذي تتميز به الرواية عن القصيدة في كونه ظهورًا وغيابًا لشخصيات الرواية ، وكان صاحب أهم حركة إيقاعية بالرواية “سالامانو” العجوز صاحب الكلب الذي كان جارًا لبطل الرواية وقد ظهر بالنص بعد حادثة وفاة الأم وأخرى بعد حديث مع صديقه ، وتارة يشكو هروب كلبه ، وأخرى يعلن فقد أمله لإيجاده ، ثم يعاود الظهور بقاعة المحكمة بصفته شاهدًا على بطل الرواية في مسألة تقييمه النفسي ، وهذا الظهور والتناوب منحنا الانقطاع المؤقت عن الانهماك بشخصية واحدة وقد شكل سياقًا متفرعًا وإن كان صوت بطل الرواية يقودنا منذ البدء وإلى النهاية .

كانت الخامسة عصرًا ، وعلى إحدى هضاب نجد بدأت بالجزء الثاني من الرواية ، نظرتُ للفارق بين أن تقرأ وأنت محاطٌ بلحن البحر ، وترتديك ظلال التجاويف الصخرية على شاطئ مدينة الوجه ، وبين أن تستظل بسيارتك وتبصر لونًا موحدًا من الأرض يتخلله ارتفاعات حجرية تشكل هضاب نجد أو طيرانها ، وبدا لي حينها ونجدُ تمسك بزمام أمري أنني أشد تركيزًا في قراءة النص وأسرع في تحليلها ، ولم تمض سوى ساعتين من الزمان حتى انتهيت من الجزء الثاني والأخير ، وما كان ذلك ليحدث على شاطئ تناولته الألوان وتقاسمته الفنون ، لأني ببساطة وبتأثير نفسي تمنحه نجد لساكنيها  ، لم أجد ما يثيرني في الجوار أو ما يلفت انتباهي أو فلنقل ما يشتته ، مما سهّل علي أن أغوص بالقراءة وأنتبه لكل حركة بها ، ولا أستطيع القول أن هذا سيستمر طيلة الفترة القادمة فلربما كان كله انعكاسًا لإجازة جيدة .

قامت الرواية على قصدية من المؤلف الذي صنع داخلها أحداثًا واختار لها جملًا وأساليب تخدم أفكاره التي كان جزءًا منها واضحًا وأجزاء أخرى ترك لأذهاننا العمل في إيجادها واكتشاف معاني إضافية ربما من وحي مخيلتنا فقط أو من نتاج أعماقنا الوجدانية والوجودية كما نفعل بأي نص شعري ، نعتقد أن هناك أسرارًا أخرى في أروقته نحتاج للمزيد من التدقيق والأدوات للكشف عنها وهذا بالضبط من صلب ما نفعله حين ننظر للتل والجبل ، والنهر والغدير و بالطبيعة عمومًا ، 
فنحن نسعى لإيجادنا فيها ، لأننا نحن ، بطرق أفكارنا وتعابيرنا العاطفية إنما نمثل حركتها وثباتها ، ظهورها وغيابها ، وقد وجدنا حين النظر إليها أن ثمة شيئًا رابطًا بيننا ، يدفعنا للاعتقاد بأن لها ذاتًا وإرادة . 

 لقد قامت الرواية على ساقيها أيضًا في عينيّ وفق ما رأيته في نفسي من انجذاب نحو معرفة مصير بطلها وأيضًا إعجابي بقدرة المؤلف على ربط شخصيات النص بالبطل ، وتسلسل الأحداث وقد أبرز تناقضًا عجيبًا بين نزعة الميل للحياة عند شخص مضطرب بعبثية معاصرة لم تجعله يشعر بأسىً شديد أمام الموت وبين عدم مبالاته بالموت ذاته ومصيره فيه ، وبتورطه بجريمة قتل أبرز إشكالية أن تكون ملحدًا و أن تكون غير مبال بنهاية حياة شخص آخر ، أو على الأقل لست حزينًا بالقدر الكافي ، وقد تفوق كامو بإبراز التشوه الذي أصاب النفس البشرية في نسق الدولة والسلطة ، وذلك الصراع بين المسيحية والحياة ، وتلك الاضطرابات لشخص لا يعي اضطراباته ، كما أن غيره كذلك .

ما الذي كان ينقصها ؟ 

إجابة هذا السؤال يعني تدخلنا بكتابتها ، أو إقحام مقاصدنا ومشاعرنا في صناعة أحداثها وهذا أيضًا يذكرنا بموضوع القصدية الظاهرية في كون النهر يتجه نحو المحيط لكن بطريقة أن عليه أن يكون كذلك وإلا فسينقصه الكثير من المعنى ، وما كان ذلك إلا لأننا نحن نريده أن يفعل ذلك ، وقد يبدو لنا بأن مسألة التأليف يتوجب عليها أن ترضينا وأن نقتحم حبر المؤلف وندفعه لمقاصدنا ، ومع ذلك فإبداء الرأي حرية شخصية بالنهاية وللمرء حق في التمني والاعتقاد.

عصام مطير

الرسمة الملحقة للفنان البريطاني المعاصر Christopher Stephen

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments