شاعرية المشهد ..

الكلمة بالشعر مفتاح لمخيلة القارئ التي جهزها مسبقًا للتعامل مع النص بكونه غير مباشر ويعتمد على اليقظة الخيالية وقد مال الشعراء القدامى لإثارة الحس العاطفي وإيقاظ قوى المخيلة عند المتلقي من خلال تذكر الديار والأطلال لأنها الأقرب للوقائع اليومية بتلك الفترة والأشد عمقًا في حياة يمثل الرحيل بها معاناة الإنسان الوجودية وقد اختلفوا بطرق التعبير عن ذلك لكن كان أجود ما قيل ، ذلك الذي أشعرنا بالمشهد وأيقظ بنا التخيل القصصي الذي يعيشه المستمع ويراه كما يرى المرء منا مشهدًا سينمائيًا ، 

هذي المنازل أنخ يا سائق الإبلِ
وانزل بعيسك بين البان والأسلِ
،
وانشد فؤادًا غدا صبًّا بكاظمةٍ
بين الظبا صرعته أسهمُ المُقَلِ

،
عرقلة الكلبي تـ١١٧١م

القصيدة شاعريتها بدأت بـ “هذي” ، ولنفهم تشكّل الشاعرية بالنص علينا تبطئة القراءة وملاحظة التزامن بين المعنى والشعور والمعنى والذاكرة، اسم الإشارة ، شكّل موقفنا وشعورنا من استخدامه السابق في حياتنا ، البحث والمعرفة ، الانتقال من الغياب للحضور ، الفقدان للوجود ، القلق للاستقرار وقد حقق الشاعر إثارة الشاعرية منذ البداية بكلمة “هذي”، ثم أسس المشهد بمخاطبة سائق الإبل ، وفعل الأمر “أنخ”، ثبّت وفاقم شاعرية الوصول.
المشهد الخيالي الذي مر بأذهاننا ، انساب بتلقائية وحقق الانتباه ، الانتباه بدأ بكلمة “هذي”، أيضًا ، ونلاحظ أن النص بدأ بـ انتقال شعوري من عدة اتجاهات ، المفقود/ما نبحث عنه/القلق إلى المعرفة/وجدناه/الاستقرار ،من التشتت إلى الانتباه ، من خيالات مشتتة أو أحاديث نفسية إلى مشهد.

كلمة المنازل ، ذكرتنا بأوطاننا ، ديارنا ، وأشعلت بالتزامن انتماءنا ، وقد أبرزت بدايات تشكل المشهد ، لتلحقها أنِخْ يا سائق الإبل ، فإذا بشاعرية المشهد تتجلى بخيالك ، قافلة وسفر ، ولحظة العودة للديار ، ومن ثم إبراز جمال المكان وبتمعن إضافي للمطلع :
هذي الديار أنِخ يا سائق الإبل 
هناك شاعرية الإيجاز بالمشهد والتركيز عليه، وأقصد بذلك أن الشاعر وضعنا بالمشهد المهم منذ البداية واختصر الكثير من القول والتدرج ، فقد كان من الممكن عليه أن يحكي لنا الترحال وأحداثه ثم مشهد الوصول/لحظة العودة ، لكنه بدأ نصه بها ومن خلال هذا التركيز على المشهد الأهم منذ البداية ، فقد منحه الجاذبية وأطلق الشاعرية باتجاهين :،
اتجاه يتقدم مع النص وأحداثه واتجاه يسير مع خيالات ما قبل لحظة العودة ضمنيًا ، سنجد أن تفكيرًا سريعًا ولحظيًا جدًا بما قبل الوصول ، متضمنًا مشاق السفر والطريق قد مر بإدراكنا ثم بعد ذلك انتقل بنا الشاعر نحوه في حواره مع معشوقه :

ناشدتك الله يا من لجّ في عذلي
وقادمي حبه طوعًا إلى أجلي 
،
لا ترحلن فما أبقيت من جلدٍ
ما أستطيع به توديع مرتحلِ
 

هل ترون كيف نقلنا الشاعر من لحظة الوصول إلى لحظة الوداع ومناشدته المعشوق بالله أن يمتنع عن الفراق ، هذه شاعرية الاضطراب التي خلقها الشاعر بين المتناقضين ، الوصول والرحيل ، الأمن والخوف ، وكيف قام بالالتفات من مخاطبة سائق الإبل والحديث عن محبوبه ثم مخاطبته لمحبوبة لأنه استحضره خيالًا ونحن عشنا ضمنيًا وصوله لمواجهة من أحب ومناشدته له وحديثه معه ،ثم إن الخوف الذي عبر عنه الشاعر بقوله :
ناشدتك الله ، و “لا ترحلن” ، استدعى بعد ذلك مباشرة نقيض الخوف ألا وهو الأمن ، لكنه وضعه يموضع الأقل شأنًا مقارنة بمحبوبه :

أقسمت بالبيت والأركان قاطبةً
والمشعرين ومن لبّى على الجبلِ
،
لأنت عندي وإن ساءت ظنونك بي
أحلى من الأمن عند الخائف والوجلِ

بدأ المشهد يتقدم بناءً على تراكيب منسجمة فيما بينها ، وبإيجازات تصنع لنا مواقف نتخيلها ونعيشها ، وهذه شاعرية المشهد ثم انتقل الشاعر بعد ذلك للغزل الجميل الجميل إذ انتقل بنا من المناشدة والقسم ، إلى أنها قدمت له كأس الخمر ، وهذا يعني بالمشهد أنها رقّت له وقبل بما يريد ، والخمر هنا بمشهد الشاعر الأخير تعني لذة الحب وهناءة الرضا والعيش 

جاءت بوجهٍ لها كالبدر برقعها
نور على مائسٍ كالغصن معتدلِ
،
إحدى يديها تعاطيني مشعشعةً
ووجهها صبغته حمرة الخجلِ
،
وقائلٍ وشموس الراح قد أفلتْ
فينا وشمس مدير الراح لم تفلِ
،
هذا هو العيش لولا أعين الرقبا
ولذة العمر لولا سرعة الأجل
ِ

الأبيات أيضًا أبرزت ذلك الطهر الرقيق في قوله : 
“ووجهها صبغته حمرة الخجلِ” 
فالمشهد الذي وصف كيف مدت له كأس الشراب لم يقصد به الخبث بل معنى العشق وصدق العاطفة وتمام المراد ، وقد أوصل لنا المشهد بذكاء ، 
وهذا النص من الشعر المركز الذي جاء على ٣ مشاهد ، 

  1. مشهد الوصول للديار ومخاطبة سائق الإبل 
  2. مشهد مناشدة الحبيبة والقسم لها 
  3. مشهد اقتناعها ولذة الحب 

هل ترون كيف كانت هناك أجزاء كثيرة من السرديات لم يقلها الشاعر لكنها وصلت إلينا ضمنيًا ؟ 
هذه هي شاعرية المشهد وعبقرية الشعر في القصصية ، حيث ندرك ما آلت إليه الأمور دون المزيد من الشرح ، وبالتالي فالنص ركز على المهم ذكره وترك الانتقالات تتحقق بين المشاهد بإدراك فحوى المشهد التالي.

عصام مطير

الرسمة الملحقة ، للفنانة الروسية Wittmann Svetlana

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments