التراجع عن العمى

داهمتني شحنة ضخمة من التفكير العميق المروع أخذتني نحو ما علي أن أقوله عن “جواري”، 
ما هو كثيف جدًا ومتعالٍ عن الإدراك التلقائي لقولي بـ “جواري” فكتبت وكتبت وكتبت ثم استيقظت وقد مضغت غبائي وأفسدتُ شاعريتي ، لقد كان علي أن أفعل شيئًا إزاء هذا التفكير ، أن أصرف ذهني بالتفكير في إفلاسي مبكرًا قبل تسعة أيام من موعد راتبي ، هذا الإفلاس الذي يدل على سوء تقديري للاحتياجات وعشوائيتي وعشرة أقداح من الفوضى ، أو أن أندفع بالتفكير نحو ما علي فعله مستقبلا للخلاص من التشتت والترحال وعدم الاستقرار ، فينبغي أن أختار مدينة أؤسس بها بيتًا وأبني عائلة من جديد ، كان عليّ أن أفكر بأمور كثيرة ، منها ما هو عظيم عظيم ومنها ما يُعد في خانة السراب والصدى ، لكني مع ذلك أُخِذتُ رغما عني أو كما تفعل الأمواج بالأمواج بالقفز من زاوية لأخرى منبهرًا بوجودي بالعالم لأتساءل عني ، ولماذا لم أنتبه بأن ما هو خارجي ، أعني محيطي ، الآخرين ، الجوار ذاته ، فكرةً مرعبة ، وعالمًا مثيرًا للفزع.

الجوار ، أهو الوعي بذاتي؟ 
ببساطة ، أقصد أنني حين فكرت بالجوار أي ما هو خارجي تمامًا ، هل انقطاعي عنه لو كان قد حدث  مبكرًا سيجعلني لن أستوعب وأعي ذاتي التي أنظر لها الآن وجودًا خالصًا لي بمقابل العالم الذي يمثل وجودًا أسعى فيه ؟
تكثر الأسئلة والنقاشات في هذا المضمار وقد نجد هيدجر وسارتر وغيرهما يتصارعون في مجموعة من السطور القليلة ، ولربما أيضًا حسمت المسألة ومنحتها تفسيرًا له علاقة بالشعور ، بتلك الأحاسيس البدائية المثيرة لقلق الوعي بأنفسنا ، الوعي بأني يقظ وحي ومنتبه.
لكني مع كل الاحتمالات المتاحة الآن لاتخاذ الطريق وجدت بالانقطاع ما يقرب لنا المعنى وقد يجيب ضمنيًا ما أقلقني ليلة البارحة ، فحينما أنقطع عن الكتابة أو تصفح المدن أو معاقرة الناس وما يتعلق بذلك المجال وتلك الزوايا ، فإنني سأستغرق بوسائل ومساحات أخرى أعي بها ذاتي بطريقة مختلفة وأتذوقها بطعم جديد ، وسأرى الشخص الجديد الذي لم أبصره من قبل بداخلي وسأكتسب مهارة التخفيف من وطأة الشعور، أي أنني حين أنقطع مثلًا عن متابعة كرة القدم والتشجيع وصناعة الهتافات وأجرب الشاطئ والسباحة فمن المؤكد أنني أشعر بأمور جديدة نُطلق عليها صقل مهارات أو تطوير ذات لكنها من حيث أنني ذات سابقة فإنني أشعر بالخفيّ منها عنّي عبر الجوار “الجديد” وحين أعود للقالب السابق أي تلك الأنشطة القديمة والمدن والشوارع أعود مجموعةَ أشخاص يتشاركون النظر بذوق أعلى وأخطاء أقل.

يحدث الانقطاع ، بلا قصد أو به ، ويأتي على شكل موجات موجهة من المجتمع ، عطلة، دوام إلخ وهو فيما يبدو لي أساس مهم في تكويننا العقلي/النفسي وقد سمح بتطورنا ونمو حضارتنا ، وقد قامت على بنيته حركة الزمن بنهاره وليله ، بهذا التناوب الذي حقق معناه وتلك المفاجآت التي ما كانت لولاه

إن الانقطاع أيضًا هو التراجع عن العمى ، ومنح الذوق فرصة لتحديد اتجاهه ومن لا ينقطع عما هو فيه ، كان ذوبانه/تلاشيه بوهمه الخاص هو قدره الحتمي ومأساته التي سيصطدم بها ، وإنني إذ أُبدي إعجابي بفكرة الانقطاع فإني أيضًا لا أعني بها الإشادة بالقطيعة ، فالأخيرة منحازة للكراهية عادةً وقد تأخذ من معنى الانقطاع أمورًا وتترك أخرى ولأن ما أعنيه بتمامه هو الابتعاد للتنوع والانطلاق بشغف لحياة أخرى فإنني لن أعلق على هذا الجانب خلال الصراع والبغضاء.

إن تكرار ما تقرأه يجعلك تتمسك بشدة بالنسخة الحالية منك ولا دافع للتغيير أشد من كون الإنسان يمل من بقاء الحال ، وهي فكرة لم تنشأ بالأساس إلا من الجسد الذي يحدثنا بطريقته عن عذابه من جلسة طويلة أو امتناع كبير عن الحركة ، ونحن إذ نسعى للاستقرار نفسيًا بالمشي والتجوال فإن أذهاننا أيضًا تعمل هكذا ، والمرء يقتله التعصب حين لا يغادر كتب قومه أي لا ينقطع عنها ! 

وفي حال المغادرة ، أي ببدء عملية الجوار الجديد فإننا مازلنا وعي الماضي حتى يأخذ الانتباه خانته من الحدث ، فالقراءة الأولى لأي كتاب مثلًا إنما هي امتداد لذواتنا الباحثة عن صفاتها ورغباتها بما تقرأه ، هي شيء من الأنا الجريئة المتلهفة لإرواء التراكم الذي بُنيت عليه فالفكرة الجديدة المناقضة لرغباتنا ستشعرنا بالألم أو الرغبة بالابتعاد أو العكس ، وتفوّق الأسلوب الكتابي على ما اعتدنا عليه قد يزيد من حدة إعجابنا أو نراه ضدنا.

إن حداثة الفكرة أو قدَامَتها ليست هي المعيار الوحيد بردة الفعل والشعور بل هو نحن بالإضافة ، هو نحن من أعماقنا وتنظيمنا الذي اخترناه في التعامل مع النقيض أو المكمّل أو المماثل ، إلى أن يخف ذلك التسلط الذاتي مع تكرار القراءة لحد الفهم وتمكين الموضوعية لا التعصب ، ومن يدري لعل حتى قراءاتنا الأخرى ننال منها ، بالطريقة ذاتها وتكون سياجات الماضي أقوى بكثير من كل محاولة للخروج ، فلا أحد يعلم كل ما أجراه الزمن فيه من تغييرات والناس متفاوتون بمقاومتهم وكمية الانقطاع الذي ينالونه ويكون كافيًا للانطلاقية أي الشعور بحريّة ما ، في تحقيق ذاتك ، وقدرتك على توجيهها ، قدرتك على أن تقول لا ، لذاتك ، لهم ، وللجوار أجمع

لقد أبرزت معنى أن أكون من خلال معنى أن أتلاشى ، وفي الاتجاهين كان للجوار يد وذراع ، وإن هذا الذي أعنيه فعلا بالرعب ، ومما يعقد المسألة بالنسبة لي أن تقتحمني الشكوك بصحة تكويني ويا له من عذاب يعمل في الأعماق معبرا عن رفضه وندائه للثبور 

عصام مطير

الرسمة الملحقة للرسام الشهير Claude Monet

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments