بكتابه "تحليل العقل" أبدى الفيلسوف البريطاني برتراند راسل، رايه حول المشاعر والرغبات، في الفصل الثالث من كتابه،
حيث انتقد "راسل" محللي النفس في كونهم يولون القليل من الانتباه لتحليل الرغبة ، فهم يهتمون باكتشاف ما يرغب به الناس عن طريق المراقبة أكثر من اكتشاف مما تتكون منه الرغبة عمليا ، وقد ضرب انتقادا عظيما في صعوبة الاعتماد على الاستبطان والذاتية في فهم الرغبات العميقة عند المريض ،
فيقول:
إذ نجد أن شخصا يذكر أنه يرغب بغاية معينة أ وأنه يعمل بهدف الوصول إليها . مع ذلك نلاحظ أن أعماله بحد ذاتها هي من النوع الذي يحتمل أن يوصله إلى الهدف ب ، وأن ب هي نوع من الغايات التي غالبا ما يبدو أنها مستهدفة من قبل الحيوانات والمتوحشين لكن يفترض بالناس المتحضرين أن يكونوا قد نبذوها .
مثال على ذلك يكون لدينا دافع لأن نوقع الألم بأولئك الذين نكرههم لأننا نعتقد بإنهم سيئون أشرار ، وأن العقاب سيصلحهم . هذا الاعتقاد يتيح لنا أن نعمل على الدافع من أجل إيقاع الألم بهم ، في حين نعتقد أننا نعمل لتحقيق الرغبة في أن نقود الآثمين إلى التوبة ،
لهذا السبب فإن القانون الجزائي كان في كل العصور أشد قسوةً مما قد يكون لو أن الدافع لاصاح المجرم هو الذي يوحي به فعلًا ، وإنه لأمر بسيط على ما يبدو أن نفسر حالة كهذه تعزى إلى الخداع - الذاتي ، لكن هذا التفسير غالبا ما يكون خياليا . لا يشعر معظم الناس لدى التفكير بالعقاب ، بالحاجة لإخفاء دوافعهم الانتقامية عن أنفسهم أكثر مما هم مضطرون لإخفاء النظرية الأسية ، ودوافعنا لا تكون مكشوفة لمراقب عرَضي لكن يمكن فقط اكتشافها من قبل دراسة علمية لأفعالنا في السياق الذي يتعين علينا فيه أن ننظر إلى انفسنا بصورة موضوعية كما ننظر إلى حركات الكواكب أو التفاعلات الكيميائية لعنصر جديد .
يقول فيما يخص تحليل حلقة السلوك عند الحيوان :
أن الحافز لاداء كل تصرف هو دفع من خلف ، وليس جذبًا من أمام ، فالطير يفعل ما يفعله ، ليس لأنه يدرك أن حلقة تصرفاته ستسهم في حفظ النوع ، والاعتبارات ذاتها تنطبق على الغرائز الأخرى .
الحيوان الجائع يشعر بالقلق وتؤدي به الدوافع الغريزية لأن يقوم بحركات تقدم له التغذية ، لكن القيام ببحث عن طعام ليس دليلا كافيا نستنتج منه أن الحيوان لديه فكرة عن الطعام في ذهنه .
وحول الألم والانزعاج يميز برتراند راسل بينهما في فصل كتابه هذا بقوله:
من الضروري في البداية التمييز بوضوح بين "الانزعاج/عدم الارتياح" (Discomfort) و"الألم" (Pain). فالألم هو كيفيّة حسّية متميزة (Distinct sensory quality) تكافئ الحرارة والبرودة، ويمكن تصنيف شدّته تقريبياً وفقاً لمقدار القوة المبذولة في التنبيه (Stimulation). أمّا الانزعاج، من جهة أخرى، فهو تلك النبرة الوجدانية/الشعورية (Feeling-tone) المناقضة مباشرة للّذة (Pleasure). وقد يصاحب الانزعاجُ إحساساتٍ ليست بذاتها مؤلمة جوهرياً؛ ومثال ذلك ما ينتج عن دغدغة باطن القدم. إنّ ردّ الفعل الناتج عن الوخز المتكرر ينطوي على كلا هذين العنصرين؛ إذ يستثير تلك الكيفية الحسية المعروفة بالألم، مصحوبة بنبرة شعورية غير سارة أطلقنا عليها اسم الانزعاج. وعلى النقيض من ذلك، فإن الضغط المفرط — ما لم يُطبَّق مباشرة فوق جذع عصبي ما — يميل إلى إثارة انزعاج يفوق ما يثيره من ألم.
إن الخلط بين الانزعاج والألم قد جعل الناس يعتبرون الانزعاج شيئاً أكثر جوهرية/عينية (Substantial) مما هو عليه في الواقع، وهذا بدوره قد انعكس على التصور المأخوذ عن اللذة، نظراً لأن الانزعاج واللذة يقعان بوضوح على نفس المستوى في هذا الصدد. وبمجرد التمييز الجلي بين الانزعاج وإحساس الألم، يغدو من الأكثر اتساقاً/طبيعية اعتبار الانزعاج واللذة خواصاً (Properties) للوقائع الذهنية (Mental occurrences) بدلاً من اعتبارهما وقائع ذهنية منفصلة بذاتها.
كتاب تحليل العقل، من أهم كتب برتراند راسل، ومتوفر بالشبكة مجانا وهو مترجم للعربية من عدة مترجمين...
قراءة ممتعة .

